تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
اللّه سبحانه ، فإنّه ممكن بالذات ، فيقع تحت إطار قدرته ، فبإمكانه تعالى إخلاد المطيع في نار جهنم ، لكنه لا يصدر منه ، لكونه مخالفا للحكمة ، ومبائنا لما وعد به . وعلى ذلك فامتناع صدور الفعل من الإنسان ، حفظا للأغراض والغايات ، لا يكون دليلا على سلب الاختيار والقدرة . وهكذا ، فالنبي المعصوم قادر على اقتراف المعاصي ، بمقتضى ما أعطي من القدرة والحرية ، غير أنّ تقواه العالية وعلمه بآثار المعاصي ، واستشعاره عظمة الخالق ، يصدّه عن ذلك ، فهو كالوالد العطوف الذي لا يقدم على ذبح ولده ولو أعطي ملء الأرض ذهبا ، وإن كان مع ذلك قادرا على قطع وتينه ، كما يقطع وتين عدوه . يقول العلامة الطباطبائي : إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية ، ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار . كيف ، والعلم من مبادي الاختيار ، ومجرّد قوة العلم لا يوجب إلّا قوة الإرادة . كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سمّا قاتلا من حينه ، فإنّه يمتنع باختياره من شربه ، ويشهد على ذلك قوله سبحانه :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ، يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 1 » ، والضمير في
وَاجْتَبَيْناهُمْ
يرجع إلى الأنبياء . وفي الوقت نفسه تفيد الآية أنّ في إمكانهم أن يشركوا باللّه ، غير أنّ الاجتباء والهداية الإلهية ، يمنعان من ذلك . ومثله قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآيتان 87 - 88 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 67 .