تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
هذه التحليلات والبيانات الثلاثة التي ذكرناها في حقيقة العصمة ، نظرية واحدة ، تعرب بمجموعها عن أنّ العصمة قوّة في النفس تعصم الإنسان عن مخالفة الرّب سبحانه وتعالى ، وهي معجونة في ذات الإنسان الكامل وهويّته الخارجية . نعم ، كل ما ذكرناه يرجع إلى العصمة بأحد معانيها ، وهو المصونية عن المعصية والتمرّد على أوامر المولى ، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي أوّلا ، والتّحفّظ عليه ثانيا ، وإبلاغه إلى الناس ثالثا ، والعصمة عن الخطأ في الأمور الفردية والاجتماعية ، فلا بدّ لها من عامل آخر ، نتعرض له في الأبحاث الآتية ، بإذنه تعالى .

المقام الثاني - مبدأ ظهور فكرة العصمة

إنّ الكتب الكلامية ، قديمها وحديثها مشحونة بالبحث عن العصمة ، فيقع السؤال في مبدأ ظهور هذه الفكرة بين المسلمين ، ومن يقف وراء طرحها في الأوساط الكلامية . لا ريب في أنّ علماء اليهود ليسوا هم المبدعين لهذه الفكرة ، لأنّهم يصفون أنبياءهم بأقبح الذنوب وأفظع المعاصي وهذا العهد القديم يسجّل لداود وسليمان وقبلهما يعقوب ، ما يندى له الجبين ويخجل القلم عن نقله « 1 » ، فكيف يمكن بعد هذا أن يكون أحبار اليهود المظهرين للإسلام ، هم المبدعون لهذه الفكرة . ولا شك أيضا في أنّ علماء النصارى ليسوا هم كذلك ، فإنّهم وإن كانوا ينزهون المسيح عن كلّ عيب وشين ، إلّا أنّ ذلك ليس بملاك أنّه بشريّ أرسل لتعليم الإنسان وإرشاده ، بل بما هو « إله متجسّد » ، أو « ثالث ثلاثة » . وبعد هذا فاعلم ، أنّ بعض المستشرقين من رماة القول على عواهنه ، لمّا
هامش
( 1 ) سنتعرض لذلك مفصّلا عند البحث في الشاهد الرابع من شواهد إعجاز القرآن ، وهو هيمنته على الكتب السماوية ، من مباحث النبوة الخاصّة .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 163 | الشيخ جعفر السبحاني