تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
يوجب رميه في جوف هذا البركان الهائل ليبقى محبوسا في أحشائه مدة من الزمن يناله عذاب الحريق الرهيب ولا يموت . فهل يقدم إنسان يمتلك شيئا من العقل على اقتراف هذا العمل ؟ . يقول سبحانه :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
« 1 » . وعلى ضوء هذا البيان ، فشهود نتائج المعاصي وعواقبها ، شهودا لا يبقي في النفس أيّ ريب وشك ، يصدّ الإنسان عن اختيار ارتكابها ، صدّا قاطعا ، ومع ذلك لا يتنافى مع اختياره ولا يسلب حريته ، كما سيوافيك .

الوجه الثالث : الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله

وإنّ هنا بيانا ثالثا للعصمة لا يخالف البيانين السالفين ولبّ هذا البيان يرجع إلى أنّ استشعار عظمة الخالق والتفاني في معرفته ، وحبّه وعشقه ، صادّ عن سلوك ما يخالف رضاه ، وهذه الدرجة من الحبّ والعشق ، أحد عوامل حصول تلك المرتبة من التقوى المتقدمة ، وهي لا تحصل إلّا للكاملين في المعرفة الإلهية . إنّ الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الميسورة ، واستغرق في شهود كماله وجماله وجلاله ، وجد في نفسه انجذابا نحوه ، وتعلّقا خاصا به ، على نحو لا يستبدل برضاه شيئا . ويدفعه شوق المحبة إلى أن لا يبتغي سواه ، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفورا لديه ، مقبوحا في نظره أشدّ القبح ، وتلك هي درجة العصمة الكاملة ، ولا ينالها إلّا الأوحديّ من الناس . وإلى هذا يشير الإمام عليّ عليه السلام بقوله : « ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، إنّما وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة المرسلات : الآيات 28 - 33 . ( 2 ) حديث معروف مروي عن الإمام عليه السلام .