تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١

نظرية العدلية في التوحيد في الخالقية

إنّ هناك معنى آخر لحصر الخالقية باللّه سبحانه ونفيها عن غيره بالمعنى الذي يناسب شأنه سبحانه ، وما نذكره هو الذي يدعمه العقل ويوافقه القرآن وتعضده البحوث العلمية في الحضارات الإنسانية وإليك بيانه : إنّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات ، غير المعتمدة على شيء منحصرة باللّه سبحانه ولا يشاركه فيها شيء . وأمّا غيره سبحانه فإنما يقوم بأمر الخلق والإيجاد بإذن منه وتسبيب ويعدّ الكلّ جنود اللّه سبحانه يعملون بتمكين منه لهم ويظهر هذا المعنى من ملاحظة الأمور التالية : أ - لا يشك المتأمل في الذكر الحكيم في أنه كثيرا ما يسند آثارا إلى الموضوعات الخارجية ، والأشياء الواقعة في دار المادة كالسماء وكواكبها ونجومها ، والأرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها والسحاب والرعد والبرق والصواعق والماء والأعشاب والأشجار والحيوان والإنسان إلى غير ذلك من الموضوعات الواردة في القرآن الكريم . فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الأشياء إلى أنفسها فإنما أنكره باللسان ، وقلبه مطمئن بخلافه . وقد ذكرنا نزرا من الآيات الواردة في هذا المجال . ب - إنّ القرآن يسند إلى الإنسان أفعالا لا تقوم إلا به ، ولا يصح إسنادها إلى اللّه سبحانه بلا واسطة ، كأكلة وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه . فهذه أفعال قائمة بالإنسان مستندة إليه ، فهو الذي يأكل ويشرب وينمو ويفهم . ج - إنّ اللّه سبحانه أمر الإنسان بالطاعة أمر إلزام ، ونهاه عن المعصية نهي تحريم ، فيجزيه بالطاعة ويعاقبه بالمعصية . فلو لم يكن للإنسان دور في ذلك المجال وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الأمر والنهي ، وما معنى الجزاء والعقوبة .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 51 | الشيخ جعفر السبحاني