تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وهذه الأمور الثلاثة إذا قورنت بقوله سبحانه :
قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
« 1 » ، الذي يدل على بسط فاعليته وعليته على كل شيء ، يستنتج أنّ النظام الامكاني على اختلاف هوياته وأنواعه فعّال ومؤثر في آثاره ، لكن بتقديره سبحانه ومشيئته وإذنه وهو القائل جل وعلا :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 2 » وقال تعالى :
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
« 3 » . فتنتهي وجودات هذه الأشياء وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها إلى قضائه وتقديره وهدايته وإجراء الأسباب في النظام الإمكاني . فعلى هذا فالأشياء في جواهرها وذواتها وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي إلى الخلقة الإلهية ، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليه أيضا وليس العالم ومجموع الكون إلا مجموعة متوحدة ، يتصل بعضها ببعض ، ويتلاءم بعضها مع بعض ، ويؤثر بعضها في بعض ، واللّه سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده ، لا خالق ولا مدبر ، حقيقة وبالأصالة ، إلّا هو ، كما لا حول ولا قوة إلا باللّه . وبهذه النظرية - أي نظرية كون العالم مخلوقا على النظام السببي والمسببي وأنّ فيه فواعل اضطرارية كما أنّ فيه فواعل اختيارية - تتناسق الأمور الثلاثة وتتوحد نتائجها ، وهذا بخلاف ما قلناه في النظرية الأولى ، فإنها توجب التضاد بين الأمور الثلاثة المسلّمة .

النظام الإمكاني نظام الأسباب والمسبّبات

إنّ الإمعان في الآيات الكريمة يدفع الإنسان إلى القول بأنّ الكتاب العزيز يعترف بأنّ النظام الإمكاني نظام الأسباب والمسبّبات ، فلأجل ذلك ينسب الفعل الواحد إلى اللّه سبحانه وفي الوقت نفسه إلى غيره من دون أن يكون هناك تضادّ في النسبة .
هامش
( 1 ) سورة الرعد : الآية 16 . ( 2 ) سورة طه : الآية 50 . ( 3 ) سورة الأعلى : الآية 3 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 52 | الشيخ جعفر السبحاني