تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ومجالي لصفات ربّها وكمال بارئها . إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي ، نرى هناك أوائل الأفعال وثوانيها وثوالثها و . . . فيقع الداني في خدمة العالي ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الذي هو أمر جميل بالذات . ولا يتطلّب إيجاد الجميل بالذات غاية سوى وجوده ، لأن الغاية منطوية في وجوده . هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي . وأما إذا نظرنا إلى الكون بالنظر العامّ فالغاية للنظام الجملي ليست أمرا خارجا عن وجود النظام حتى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل ، بل هي عبارة عن الخصوصيات الموجودة فيه وهي بلوغ النظام بأبعاضه وأجزائه إلى الكمال الممكن ، والكمال الممكن المتوخى من الإيجاد ، خصوصية موجودة في نفس النظام ويعدّ صورة فعلية له ، فاللّه سبحانه خلق النظام وأوجد فعله المطلق ، حتى يبلغ ما يصدق عليه فعله ، كلا أو بعضا ، إلى الكمال الذي يمكن أن يصل إليه ، فليست الغاية شيئا مفصولا عن النظام ، حتى يقال : ما هي الغاية لهذه الغاية حتى يتسلسل أو يصل إلى موجود لا غاية له . وبما أن إيصال كل ممكن إلى كماله ، غاية ذاتية لأنه عمل جميل بالذات ، فيسقط السؤال عن أنه لما ذا قام بهذا ، لأنه حين أوصل كل موجود إلى كماله الممكن فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات . فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد وإبداع النظام ، لقلنا بأن الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن . ثم إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن ، لكان السؤال جزافيا ساقطا لأن العمل الحسن بالذات ، يليق أن يفعل ، والفعل والغاية نفس وجوده . فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن ، وإبلاغه إلى كماله فيض آخر ، يتم به الفيض الأول ، فالمجموع فيض من الفياض تعالى إلى الفقير المحتاج ولا ينقص من خزائنه شيء ، فأي كمال أحسن وأبدع من هذا ، وأي غاية أظهر من