تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الإذعان بالنسبة ، فيرجع الكلام النفسي إلى التصورات والتصديقات ، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي . كما أنّه عندما يرتب المتكلم المعاني الإنشائية ، فلا يرتب إلا إرادته وكراهته أو ما يكون مقدمة لهما ، كتصور الشيء والتصديق بالفائدة . فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة ، فأي شيء هنا غيرهما وغير التصوّر حتى نسميه بالكلام النفسي . وعند ذلك لا يكون التكلم وصفا وراء العلم في الإخبار ووراءه مع الإرادة في الإنشاء . مع أنّ الأشاعرة يصرّون على إثبات وصف للمتكلم وراء العلم والإرادة ، ولأجل ذلك يقولون : كونه متكلما بالذات ، غير كونه عالما ومريدا بالذات . والأولى أن نستعرض ما استدلوا به على أنّ الكلام النفسي شيء وراء العلم . وهذا بيانه : الأول : إنّ الكلام النفسي غير العلم لأن الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه ، فالإخبار عن الشيء غير العلم به . قال السيد الشريف في شرح المواقف : « والكلام النفسي في الإخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات وهو غير العلم إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه ، بل يعلم خلافه ، أو يشكّ فيه » « 1 » . يلاحظ عليه : إنّ المراد من رجوع كل ما في الذهن في ظرف الإخبار إلى العلم ، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور والتصديق . فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكميّة ثم يخبر . فما في ذهنه من هذه التصورات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم ، وهو التصور . نعم ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم وهو التصديق . ومنشأ الاشتباه تفسير العلم بالتصديق فزعموا أنّه غير موجود عند الإخبار في ذهن المخبر الشاك أو العالم بالخلاف ، والغفلة عن أنّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدلّ على عدم وجود القسم الآخر من العلم وهو التصوّر .
هامش
( 1 ) شرح المواقف ، ج 2 ، ص 94 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 199 | الشيخ جعفر السبحاني