تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣

المقام الأول - حقيقة كلامه تعالى

إليك فيما يلي الآراء المطروحة في حقيقة كلامه تعالى :

أ - نظرية المعتزلة :

قالت المعتزلة ، كلامه تعالى أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرائيل أو النبي . وقد صرح بذلك القاضي عبد الجبار فقال : « حقيقة الكلام ، الحروف المنظومة ، والأصوات المقطّعة ، وهذا كما يكون منعما بنعمة توجد في غيره ، ورازقا برزق يوجد في غيره ، فهكذا يكون متكلما بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل » « 1 » . والظاهر أنى كونه سبحانه متكلما بهذا المعنى لا خلاف فيه ، إنّما الكلام في حصر التكلم بهذا المعنى . قال في شرح المواقف : « هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره بل نحن نقوله ونسميه كلاما لفظيا ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ولكن نثبت أمرا وراء ذلك » « 2 » . يلاحظ على هذه النظرية أنّ ما ذكره من تفسير كلامه سبحانه بإيجاد الحروف والأصوات في الأشياء ، إنّما يصح في الكلام الذي يخاطب به سبحانه شخصا أو أمة . فطريقه هو ما ذكره المعتزلة ، وإليه ينظر ما ذكرنا من الآيات حول تكليمه سبحانه موسى أو غيره « 3 » . وامّا إذا لم يكن هناك مخاطب خاص لجهة الخطاب فلا بدّ أن يكون كلامه سبحانه على وجه الإطلاق هو فعله المنبئ عن جماله ، المظهر لكماله . فاكتفاء المعتزلة بما ذكروا من التفسير إنّما يناسب القسم الأول ، وأمّا القسم الثاني فلا ينطبق عليه . إذ فعله على وجه الإطلاق ليس من قبيل الأصوات والألفاظ ، بل عبارة عن الأعيان الخارجية والجواهر والأعراض . وقد سمّى سبحانه فعله
هامش
( 1 ) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ، المتوفي عام 415 ، ص 528 . وشرح المواقف للسيد الشريف ص 495 . ( 2 ) شرح المواقف ، ج 1 ، ص 77 . وسيوافيك الأمر الآخر الذي يثبته الأشاعرة . ( 3 ) قال سبحانه :وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماًسورة النساء : الآية 164 . وقال سبحانه :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً . .سورة الشورى : الآية 51 .