تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام النبوة — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
يفهم من أمر معاشه وتجارته وتصرّفه في هذه الأمور ويهتدى بحيله « 1 » إلى أشياء تدقّ عن « 2 » فهم كثير منّا ، وذلك لأنه صرف همّته إلى ذلك ؛ ولو صرف همّته إلى ما صرفت همّتى أنا إليه وطلب ما طلبت لأدرك « 3 » ما أدركت . » قلت : فهل « 4 » يستوى النّاس في العقل والهمّة والفطنة ، أم لا ؟ قال : لو اجتهدوا واشتغلوا بما يعينهم « 5 » لاستووا في الهمم والعقول . قلت : كيف تجيز هذا وتدفع العيان ؟ ! وإنّا نرى ونعاين أنّ النّاس على طبقات وتفاوت مراتب ، ولست « 6 » تقدر على دفع ما اتّفق النّاس عليه ، أن يقولوا : فلان أعقل من فلان ، وفلان عاقل وفلان أحمق ، وفلان أكيس من فلان « 7 » ، وفلان كيّس وفلان بليد ، وفلان لطيف الطّبع وفلان غليظ الطّبع ، وفلان فطن وفلان غبىّ ؛ ومن دفع هذا فقد كابر وعاند . وإذا ثبت هذا فقد وقعت « 8 » الخصوصيّة . وقد علمنا « 9 » أنّ الأحمق البليد الطّبع الغبىّ « 10 » لا يدرك بفطنته ونظره ما يدركه العاقل الكيّس الفطن اللّطيف الطّبع من العلوم الدّقيقة والجليلة في باب المعاش والصّناعات التي ذكرت أنّ النّاس اشتغلوا بها عن النّظر « 11 » في العلوم الدقيقة وأنهم بلغوا في تلك الصّناعات ما يدقّ عن أفهامنا . والنّاس في ذلك أيضا « 12 » يتفاوتون في المراتب والطّبقات ويتفاضلون في كلّ صناعة . وفي كلّ طبقة من النّاس فاضل ومفضول وعالم ومتعلّم ولا نرى أحدا « 13 » يدرك شيئا من الأمور بفطنته وكيسه وعقله إلّا بمعلّم يرشده وبقانون يرجع إليه ثمّ يتحدّى على مثاله ويبنى عليه أمره ؛ وهذا ما لا مرية فيه ، ولا يقدر أحد على دفعه . وإذا ثبت هذا فقد جاز أن يقع التّفاضل في النّاس ، والتّفاوت في مراتبهم ؛ كما قد أجزت لنفسك ما تدّعيه أنّك أدركت « 14 » من علوم الفلسفة
هامش
( 1 ) - بحيله : بحيلتهAB( 2 ) - عن : منB( 3 ) - لأدرك : لادراكB( 4 ) - فهل : نعم فهلB( 5 ) - يعينهم : يغنيهمC( 6 ) - ولست : وليستB( 7 ) - وفلان عاقل . . . من فلان -B( 8 ) - وقعت : وجبتC( 9 ) - وقد علمنا : وعلمناB( 10 ) ، البليد الطبع الغبي : الغبي البليد الطبعB( 11 ) - عن النظر : من النظرA( 12 ) - في ذلك أيضا : أيضا في ذلكB( 13 ) - أحدا : أحدC( 14 ) - أدركت : قد أدركتA
أعلام النبوة — صفحة 5 | أبو حاتم الرازي