تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
فقالوا : يا أبا القاسم بل نرجع ، فننظر في أمرنا ثم نأتيك . فلما رجعوا قالوا للعاقب ، وكان ذا رأيهم : ما ترى ؟ فقال : واللّه لقد عرفتم نبوّته ، وقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم واللّه ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا ، وإن أبيتم إلا ألف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا . فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين وآخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي اللّه عنه خلفها وهو يقول : إذا أنا دعوت فآمنوا . فقال أسقفهم : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا . فأذعنوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعا من حديد . فقال عليه الصلاة والسلام لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على الشجر . وهذه الواقعة دلت على نبوّته بوجهين : الأول ، انه عليه الصلاة والسلام خوّفهما بنزول العذاب عليهم . ولو لم يكن واثقا بذلك لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه . لأنه لو باهل ولم ينزل العذاب ظهر كذبه . ومعلوم أنه كان من أعقل الناس فلا يليق به أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه . فلما أصرّ على ذلك علمنا أنه إنما أصرّ عليه لكونه واثقا بوعد اللّه . والثاني ، ان القوم كانوا يبذلون النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فلو لم يعرفوا أنه نبيّ لما تركوا مباهلته .