تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢

الفصل الثاني في رفع شبهات القسّيسين على القرآن

الشّبهة الأولى : لا نسلم أن عبارة القرآن في الدرجة القصوى من البلاغة الخارجة عن العادة . ولو سلمنا ذلك فهو يكون دليلا ناقصا على الإعجاز لأنه لا يظهر إلا لمن كان له معرفة تامة بلسان العرب ، ويلزم أن يكون جميع الكتب التي توجد في الألسن الأخرى مثل اليوناني واللاطيني وغيرهما في الدرجة العالية من البلاغة كلام اللّه . على أنه يمكن أن تؤدي المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى . والجواب : عدم تسليم كون عبارة القرآن في الدرجة العليا مكابرة محضة ، لما عرفت في الأمر الأول والثاني من الفصل الأول . وقولهم : ( لأنه لا يظهر إلا لمن كان له معرفة تامة بلسان العرب ) حق ، لكن التقريب غير تام . لأن هذه المعجزة ، لما كانت لتعجيز البلغاء والفصحاء ، وقد ثبت عجزهم ولم يعارضوا واعترفوا بها ، وعرفها أهل اللسان بسليقتهم ، وغيرهم من العلماء بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام ، وعرفها العوّام في الفرق بشهادة ألوف ألوف من أهل اللسان والعلماء . فظهر أنها معجزة يقينا ، ودليل كامل لا ناقص ، كما زعموا ، وصارت سببا من الأسباب الكثيرة التي يعلم بها أن القرآن كلام اللّه . ولا يدّعي أهل الإسلام أن سبب كون القرآن كلام اللّه منحصر في كونه بليغا فقط ، وكذا لا يدّعون أن معجزة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم منحصرة في بلاغة القرآن فقط ، بل يدّعون أن هذه البلاغة سبب من الأسباب الكثيرة لكون القرآن كلام اللّه وأن القرآن بهذا الاعتبار أيضا معجزة من المعجزات الكثيرة للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، كما عرفت في الفصل الأول وستعرف في الباب السادس إن شاء اللّه تعالى . وهذه المعجزة ظاهرة في هذا الزمان أيضا لألوف ألوف من أهل اللسان وماهري علم البيان ، وعجز المخالفين ثابت من ظهورها إلى هذا الحين ، وقد مضت مدة ألف ومائتين