تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
على خدمة أخرى فهذا ، بحسب الظاهر عند الخادم ، وكذا عند غيره الذي ما أخبرته عن نيّتك ، تغيير . وأما في الحقيقة وعندك فليس بتغيير ولا استحالة في هذا المعنى لا بالنسبة إلى ذات اللّه ولا إلى صفاته . فكما أن في تبديل المواسم ، مثل الربيع والصيف والخريف والشتاء ، وكذا في تبديل الليل والنهار ، وتبديل حالات الناس مثل الفقر والغنى والصحة والمرض وغيرها ، حكما ومصالح اللّه تعالى ، سواء ظهرت لنا أو لم تظهر ، فكذلك في نسخ الأحكام ، حكم ومصالح له ، نظرا إلى حال المكلّفين والزمان والمكان . ألا ترى أن الطبيب الحاذق يبدّل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التي يراها ، ولا يحمل أحد فعله على العبث والسفاهة والجهل ؟ فكيف يظن عاقل هذه الأمور في الحكيم المطلق العالم بالأشياء بالعلم القديم الأزلي الأبدي ؟ وإذا علمت هذا ، فأقول : ليست قصة من القصص المندرجة في العهد العتيق والجديد منسوخة عندنا . نعم بعضها كاذب مثل : أن لوطا عليه السلام زنى بابنتيه وحملتا بالزنا من الأب ، كما هو مصرّح في الباب التاسع عشر من سفر التكوين ، أو أن يهودا بن يعقوب عليه السلام زنى بثامار زوجة ابنه وحملت بالزنا منه وولدت توأمين فارص وزارح ، كما هو مصرّح به في الباب الثامن والثلاثين من السفر المذكور ، وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام كلهم من أولاد فارض المذكور ، كما هو مصرّح به في الباب الأول من إنجيل متّى ، أو أن داود عليه السلام زنى بامرأة أوريا وحملت بالزنا منه فأهلك زوجها بالمكر وأخذها زوجة له ، كما هو مصرّح به في الباب الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني ، أو أن سليمان عليه السلام ارتدّ في آخر عمره وكان يعبد الأصنام بعد الارتداد وبنى المعابد لها ، كما هو مصرّح به في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول ، أو أن هارون عليه السلام بنى معبدا للعجل وعبده وأمر بني إسرائيل بعبادته ، كما هو مصرّح به في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج . فنقول : إن هذه القصص وأمثالها كاذبة باطلة عندنا ، ولا نقول إنها منسوخة . والأمور القطعية العقلية والحسّيّة ، والأحكام الواجبة ، والأحكام المؤبدة ، والأحكام الوقتية قبل أوقاتها ، والأحكام المطلقة التي يفرض فيها الوقت والمكلّف والوجه متّحدة ، لا تكون هذه الأشياء كلها منسوخة ليلزم الشناعة . وكذا لا تكون الأدعية منسوخة . فلا يكون الزبور الذي هو أدعية منسوخا بالمعنى المصطلح عندنا ، ولا نقول قطعا إنه ناسخ للتوراة ومنسوخ من الإنجيل ، كما افترى هذا الأمر على أهل الإسلام صاحب ميزان الحق ، وقال : إن هذا مصرّح به في القرآن والتفاسير . وإنما منعنا عن استعمال الزبور والكتب الأخرى من العهد العتيق والجديد ، لأنها مشكوكة يقينا ، بسبب عدم أسانيدها المتصلة وثبوت وقوع التحريف اللفظي فيها بجميع أقسامه ، كما عرفت في الباب الثاني .
إظهار الحق — صفحة 232 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي