باستماع واحد ومشاهدته ومماسّته صارت مستغرقة محجوبة عن غيره وامّا الموجود في الآخرة فيتّسع اتّساعا لا ضيق فيه ولا منع حتى لو اشتهى مشاهدة النبي - صلى اللّه عليه وآله - مثلا الف شخص في الف مكان في حالة واحدة لشاهدوه كما خطر ببالهم في الأمكنة المختلفة .
واما الأبصار الحاصل عن شخص النبي الدنيوي فلا يكون الا في مكان واحد وامر الآخرة أوسع وأوفى بالشهوات وأوفق لها فلكل واحد من أهل السعادة في الآخرة عالم فيه ما يريد ومن يرغب في صحبته ينشأ في لحظة عين أو فلتة خاطر من غير مزاحمة شريك وسهيم .
ومنها : انّه ما لم تخرب الدنيا - لم توجد الآخرة وهذا فرقان مبين إذ لو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصح ان الدنيا تخرب لأن الدنيا انّما هي دنيا بالجوهر ونحو الوجود بالتخصصات الشخصيّة والامتيازات التعيّنية والا لكان كل يوم دنيا أخرى ، لتبدل الاشكال والهيئات والمشخصات ولكان القول بالآخرة قولا بالتّناسخ ولكان البعث عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها واجماع العقلاء منعقد على أن الدنيا تضمحل وتفنى ولا تعود ولا تعمر ابدا .
ومنها : ان الآخرة عالم تام لا ينتظم مع الدنيا في سلك واحد ولا أحدهما من الآخر في جهة واحدة أو في اتّصال واحد زماني أو مكاني بل لامكان للآخرة ؛ لا كلّها ولا اجزاؤها كما دريت سابقا . نعم لها إحاطة بالدنيا ؛ إحاطة الروح بالجسم وانّما يراها الكل من الأولياء الذين انقلبت نشأتهم إلى تلك النشأة في الدنيا دون غيرهم إذ ليس عند غيرهم منها ومن الصور الموجودة فيها الا الألفاظ الموضوعة شرعا لأجلها من غير دلالة لها على خصوص معانيها الا على الأمثلة البعيدة كما اخبر اللّه سبحانه عنه بقوله :
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ »
« 1 » وقوله عز وجل :
« وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) - س 32 ، ى 17 .
( 2 ) - س 56 ، ى 61 .