وندامة ! فإذا قالت نفسك ما ذا أعمل وكيف أجتهد ؟ فتقول : اتركي ما يفارقك بالموت ، والزمي بدّك اللّازم وهو اللّه تعالى ، واطلبي الأنس بذكره .
فإذا قالت : فكيف أترك الدنيا ؟ فقد استحكمت علائقها في قلبي فتقول : أقبلي على قطع علائقها من باطن القلب ، كما أعلمناك في الأصول العشرة من المهلكات .
ففتشي عن أغلب علاقة من علائقها من حب مال أو جاه أو حسب أو عداوة أو شهوة بطن أو فرج أو غير ذلك من المهلكات . فليس إلا أن يتفكر في عظم آفاتها وإهلاكها إياك ، فتنبعث لمجاهدتها ومخالفة مقتضاها ، فقد تخلصت منها وأيدك اللّه بتوفيقه ومعونته .
فقدّري أنك مريضة العمر مدة الحياة ، وقد أنبأك طبيب تظنين صدقه أن ملاذّ الأطعمة تضرك ، وأن الأدوية البشعة تنفعك ، ألست تتصبّرين بقوله على مرارة الدواء طمعا في الشفاء ؟ ألست تتصبّرين على الكدّ والتّعب في السفر الطويل طمعا في الاستراحة في المنزل وأنت مسافرة ومنزلك الآخرة ؟ والمسافر لا يستريح ويتحمل التعب والكدّ ، فإن استراح انقطع في الطريق وهلك .
ويقول يا نفس : ما الذي تطلبين من الدنيا إن طلبت المال ووجدته ، وهيهات ، فتكون في اليهود جماعة أغنى منك . وإن طلبت الجاه ونلت ، وهيهات ، فيكون في أجلاف الأتراك وحمقى الأكراد من يستولي عليك ، ويكون جاهه أعظم من جاهك . فإن كنت لا تدركين آفة الدنيا وشدة عذابها في الآخرة وبلائها ، أفلا تترفعين عنها لخسة شركائها ؟ أما تعلمين أنك لو أعرضت عن الدنيا ، وأقبلت على الآخرة ، كنت وحيد الدهر فريد العصر لا يوجد في الأقاليم نظيرك ؟ وإن طلبت الدنيا كان في اليهود والحمقى من سبقك بها ؛ فأفّ لدنيا سبقك بها حمير ! فتفكري يا نفس ، وانظري لنفسك ، فلا ينظر لك أحد غيرك .
وكذلك لا تزال تناظر نفسك حتى تطاوعك على سلوك الصراط المستقيم إلى اللّه تعالى . فهذه المناظرة أهم لك - إن كنت عاقلا - من مناظرة الحنفية والشفعوية والمعتزلة وغيرهم . فلم تعاديهم وتجادلهم ولا يضرّك خطؤهم ولا خطأ غيرهم ، ولا هم يقبلون منك ولا أنت تقبل منهم الصواب ، وإن صار أظهر من الشمس ، وتترك أعدى عدوّك بين جنبيك لا تنازعه ولا تناظره ، بل تساعده على ما يطالبك به من شهواته الباطلة الباطنة ، فتستنبط بالفكر الدقيق الحيل لقضاء الشهوة ! هل هذا إلّا عين الانعكاس والانتكاس
الأربعين في اصول الدين — صفحة 184
مساهمون: الغزالي
ص١٨٤