بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته ، فاذن لا يمكننا أن نعلم أن هذه الطبقات موصوفة بهذه الصفات ، الا إذا علمنا عدد تلك الطبقات ، ووجودهم ، لكننا لا نعلم البتة من هذه الطبقات المتوسطة ، أنها كم هي ؟ وإذا كان كذلك كانت ذواتها مجهولة لنا . وإذا كانت الذوات مجهولة كانت الصفات مجهولة ، فلم يكن العلم بكونهم موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر حاصلا ، فوجب أن لا يحصل بهذا الخبر :
علم . والله أعلم .
الشبهة الثانية : انا نرى المجوس على كثرتهم وتفريقهم في الشرق والغرب ، يخبرون عن المعجزات العظيمة ل « زرادشت » مع أنه كان كذابا ساحرا عندكم .
وأيضا : اليهود على كثرتهم وتفرقهم في الشرق والغرب ، يخبرون أن موسى عليه السلام قال : « ان شريعتي لا تصير منسوخة البتة » « 4 » .
وأيضا : النصارى على كثرتهم وتفرقهم في الشرق والغرب ، يخبرون أن عيسى عليه السلام كان يقول : بثالث ثلاثة - سبحانه وتعالى عما يشركون - وبأنه ابن الله . ويخبرون : أن اليهود صلبوا عيسى وقتلوه . فإن كان التواتر مفيدا للعلم ، فقد صحت هذه الأخبار . ويلزم من صحتها : الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان كانت غير مفيدة للعلم ، فحينئذ خرج التواتر عن كونه مفيدا للعلم .
لا يقال : انما دفعنا هذه الأقوال لقيام الدلائل العقلية ، على أنها باطلة . فأما التواتر عن وجود محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن ادعائه الرسالة ، فإنه لم تقم الدلالة على بطلانه . فظهر الفرق . لأنا نقول : هذا القدر يقوى كلامنا ، لأن خبر التواتر لما حصل في تلك
هامش
( 4 ) يقول سعديا الفيومي في الأمانات والاعتقادات : « نقل بنو إسرائيل نقلا جامعا : أن شرائع التوراة . قالت لهم الأنبياء عنها :
أنها لا تنسخ . وقالوا : انا سمعنا ذلك بقول فصيح يرتفع عنه كل وهم وكل