نشاهد أن مثل هذا الأرجاف كثيرا ما يحصل في زماننا . فإذا جاز ذلك في هذا الزمان منه ، ونحن نشاهد ، فكذا في سائر الأزمنة .
لا يقال : كل ما كان كذلك ، فإنه لا بدّ أن ينكشف بالآخرة ، أنه كان ارجافا وكذبا .
لأنا نقول : لم قلتم : انه لو كان الأمر واقعا على هذا الوجه ، لوجب أن يصل خبره إلينا ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : انه واقعة عظيمة . والوقائع العظيمة يجب أن تصل إلينا أخبارها .
الا أنا نقول : هذه القاعدة منقوصة بصور منها :
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم داوم على أداء الصلوات نيفا وعشرين سنة ، ثم إنه لم ينقل إلينا شيء من أحوال الصلاة الا برواية آحاد . ومع التعارض . ولهذا السبب اختلف المجتهدون في كيفية أداء الصلاة اختلافا شديدا ، لا يرجى زواله .
ومنها : أن أحوال « عاد » و « ثمود » وسائر الأمم وسائر أرباب الدول والملل ، كانت أمورا عظيمة . ثم إنها خفيت وما وصلت إلينا .
أقصى ما في الباب أن يقال : طالت المدة بيننا وبينهم ، فخفيت ، الا أن هذا انما ينفع إذا ذكرتم في ضبط المدة الطويلة ، والمدة القريبة ضابطا معلوما . حتى أن ما كان قريبا نحكم عليه بأنه لا بد أن يكون معلوما لنا . وما كان بعيدا لم يجب فيه ذلك . الا أن ذكر هذا الضابط كالمتعذر والممتنع .
فهذه جملة الوجوه التي تمسك بها الطاعنون في التواتر .
* * * والجواب : اعلم أن العلماء اختلفوا في أن العلم الحاصل عقيب خبر التواتر علم ضروري أم نظري ؟ والاختيار : أنه ضروري . وذلك لأن الضروري هو الّذي إذا شكك فيه صاحبه لا يتشكك ، ونحن نجرب أنفسنا عند سماع هذه الشبهات التي ذكرتموها ، فنجدها جازمة بأن
الأربعين في أصول الدين — صفحة 86
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٦