أقول : كأنّه نظر إلى مذهب الشكر بعين أهل اللطف ، وقد سلف كون هذا المذهب ضغثا من اللطف ، فلم يرتض الشكر .
ونظر إلى مذهب الأشعريّة فرآه مشتملا على هدم تحسين العقل وتقبيحه ، وهدم تعليل أفعال الباري بالأغراض ، وهدم كون الأفعال حسنت وقبحت لوجوه تقع عليها ، فلم يرتضه لفساد مبناه عنده .
وقوله : ورأى إلى آخره ، إشارة من المصنّف إلى أنّ هذا لم يرتض اللطف على الوجه المرتضى للأوّلين كما عرفت ، بل قال : القوّة الشهوية المؤدّية إلى مناسبة الحيوان الأعجم .
والغضبيّة المؤدّية إلى مناسبة السباع لو خلّي طبعه بهما أوقعه في الحرام والمكروه اللذين هما مقتضاهما .
ورأى ترك الأفعال الحسنة معدّا لذلك الاتّباع ومقوّيا عليه ، فجعل الربّ الحكيم تلك الأفعال قيودا لذي الطبع .
لئلّا يرتطم في المهلكات ، أي يرتبك عليه أمره ، فلا يقدر على الخروج منه .
والاقتحام : الدخول على الشدّة . ونعني بالتبعات ذوات التبعات ، وهو من إيجاز الحذف ، وهو ما يتبع الإنسان عليه ليستوفى منه .
فالغرض الذاتي عند هذا القائل ترك أعمال الشهوة والغضب . وترك العبادات ينافي ذلك الترك ، والمنافي لا يجتمع مع منافيه ، وبفعل العبادات يحصل ذلك الترك ، فوجب الفعل أو ندب .
ونحن نقول هنا : إنّ مقتضى الطبع مرسل في المهالك ، وفعل العبادات موجب لدفع ذلك فيجب ؛ إذ آلة الواجب واجبة ، وسقط وجه الندب على ما قرّر صاحب هذا المذهب ، فإنّ المهلكات والتبعات لا تتصوّر عند ترك الندب حتّى تدفع بفعله . نعم يثبت وجهه على المذهب الأوّل أنّه لطف في فعل الندب العقلي .
قال : ( ولعلّ صاحب هذا الرأي ممّن يرى أنّ المطلوب في النهي إنّما هو إيجاد الضدّ ؛ بناء على أنّ الترك غير مقدور ، وهذا القدر يصلح أن يكون
أربع رسائل كلامية — صفحة 171
مساهمون: الشهيد الأول
ص١٧١