تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبكار الأفكار في أصول الدين — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
الثالث : أن السيد إذا أمر عبده - وهو أهل للأمر - بالمسير إلى البصرة مثلا : وهو ببغداد أمرا جازما على الفور ، ثم انقضى من الزمان ما يمكن قطع مثل تلك المسافة ، والكون بالبصرة في مثله . وتوانى العبد في امتثال / أمره من غير عذر ، ولم يزل في مكانه ؛ فإنه يستحق اللوم والتوبيخ ، ولولا اقتدار العبد على الكون بالبصرة حالة الأمر - مع بقائه في مكانه - لما حسن اللوم ، والتوبيخ ، على ما لا قدرة للعبد عليه . وإذا كان قيام القدرة به على الكون بالبصرة حالة كونه ببغداد ممكنا : فلنفرضه واقعا ؛ فإن الممكن لا يلزم من فرض وقوعه المحال ، وعند فرض وجود القدرة على الكون بالبصرة حالة كونه ببغداد ، فلا بد وأن تكون تلك القدرة متعلقة بمقدورها ، وإلا كان فيه قلب جنسها ، ووجود قدرة لا مقدور لها ؛ وهو ممتنع . وإذا كانت متعلقة بمقدورها : فهي لا توقع مقدورها : وهو الكون في البصرة إلا في الحالة الثانية من وجود القدرة ، لا فيما بعد ذلك ؛ وذلك مستحيل في الكون في البصرة ، فلو استحال فرض بقائها ؛ لاستحال كونها متوقعة لمقدورها ، فلا تكون متعلقة به ، وهو محال ، وما لزم عنه المحال ؛ فهو محال .

والجواب :

أما منع استحالة بقاء الأعراض : فسيأتي وجه إبطاله ، وإبطال ما يقال عليه في موضعه إن شاء الله - تعالى - على وجه يدخل فيه القدرة الحادثة وغيرها « 1 » . والقول بإمكان قيام القدرة على الكون بالبصرة ، حالة كونه ببغداد ممكن ، ممنوع . وأما الوجه الأول : فيلزم عليه نفس الكون بالبصرة حالة كونه ببغداد ؛ فإنه قابل له بنفسه . ونفسه غير متغيرة بكونه في بغداد ، ومع ذلك فكونه في البصرة غير ممكن أن يقوم به حالة كونه في بغداد ، ولا فرق في ذلك بين الكون في البصرة ، والقدرة عليه . وإن قيل : بأن الكون ببغداد مضاد للكون بالبصرة ؛ فكذلك امتنع قيام الكون بالبصرة به حالة كونه ببغداد ، فما المانع من أن يقال بأن القدرة على الكون في بغداد ؟ أو أن نفس الكون في بغداد ضد للقدرة على الكون في « 2 » البصرة « 2 » ؟ .
هامش
( 1 ) انظر الجزء الثاني ل 44 / ب وما بعدها . ( 2 ) في ب ( بالبصرة ) .