تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
إرادة والقدرة قدرة ، وهو محال ، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة ، فكان أقوم الفرق قيلا وأهداهم سبيلا من أثبت هذه الصفة ولم يجعلها حادثة ، بل قال هي قديمة متعلقة بالأحداث في وقت مخصوص ، فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك ، وهذا مما لا يستغني عنه فريق من الفرق وبه ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال . والآن فكما تمهد القول في أصل الإرادة فاعلم أنها متعلقة بجميع الحادثات عندنا من حيث أنه ظهر أن كل حادث فمخترع بقدرته ، وكل مخترع بالقدرة محتاج إلى إرادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به ، فكل مقدور مراد ، وكل حادث مقدور ، فكل حادث مراد والشر والكفر والمعصية حوادث ، فهي إذا لا محالة مرادة ، فما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، فهذا مذهب السلف الصالحين ومعتقد أهل السنة أجمعين وقد قامت عليه البراهين . وأما المعتزلة فإنهم يقولون إن المعاصي كلها والشرور حادثة بغير إرادته ، بل هو كاره لها ، ومعلوم أن أكثر ما يجري في العالم المعاصي فإذا ما يكرهه أكثر مما يريده فهو إلى العجز والقصور أقرب بزعمهم ، تعالى رب العالمين عن قول الظالمين . فإن قيل : فكيف يأمر بما لا يريد ؟ وكيف يريد شيئا وينهى عنه ؟ وكيف يريد الفجور والمعاصي والظلم والقبيح ومريد القبيح سفيه ؟ قلنا : إذا كشفنا عن حقيقة الأمر وبينا أنه مباين للإرادة وكشفنا عن القبيح والحسن وبينا أن ذلك يرجع إلى موافقة الأعراض ومخالفتها ، وهو سبحانه منزه عن الأعراض فاندفعت هذه الإشكالات وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى .