وانعقدت له الرئاسة في لبسة الصوف « 1 » . ولحظته الخاصة والعامة بعين المرجو والمخوف ، ووجدت خاصته سوقا للأطماع بعلة الابتداع ، فاستزبنوا « 2 » الناس ، واستفتحوا الأكياس ، فمن ألطّ « 3 » منهم بمكّاس رمي بفساد معتقده ، أو يعطي الجزية عن يده .
وغبرت على هذه الجملة سنون ، لا مطمع لأحد في تبديل شكلها ، وتحويل فادح الحال عن أهلها ، ولا علم بأن الزمان بتغيير الأحوال ضمين ، وبالخلاف على صورة المعتاد رهين ، ومن صبر على الأيام رأى الرفيع وضيعا ، والضليع ضريعا ، وشاهد عن سموم القيظ صرّا كالحا وصقيعا .
واتفق للقاضي أبي العلاء صاعد بن محمد أن حجّ بيت الله الحرام سنة اثنتين وأربعمائة ، [ 233 أ ] وهو الإمام المرموق ، والزاهد الموموق « 4 » ، والفاضل الجزل ، والبازل « 5 » الفحل . قضى أكثر العمر « 6 » على الحظ النفيس ، من ثمر « 7 » الدرس والتدريس ، تتطفل عليه الأعمال فيأباها ، وتصبّ « 8 » إليه الأعراض « 9 » فيرى الخيار فيما عداها . ومن حاز شرف العلم لم يشتر به ثمنا قليلا ، ولم يعدل به حظا وإن كان جليلا . فلما حصل بدار السلام ، وأنهي إلى القادر بالله أمير المؤمنين خبره في حجيج « 10 » بيت الله الحرام ، قوبل بمقتضى حقه في
هامش
( 1 ) يقصد أنه أصبح شيخ الصوفية . وفي هذا الموضوع ، انظر : أبو راس - شيخ الشيوخ بالديار المصرية .
( 2 ) يقصد أخذهم للرشاوى . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 13 ، ص 195 ( زبن ) .
( 3 ) ألطّ الرجل : اشتد في الأمر والخصومة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 7 ، ص 389 ( لطط ) .
( 4 ) أي المحبوب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 10 ، ص 385 ( ومق ) .
( 5 ) رجل بازل ، على التشبيه بالبعير ، ويعنون به كماله في عقله وتجربته . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 52 ( بزل ) .
( 6 ) وردت في ب : عمره .
( 7 ) وردت في الأصل : ثمرة .
( 8 ) وردت في ب : تنصب .
( 9 ) جمع عرض وهو متاع باستثناء الأموال . ابن منظور - لسان العرب ، مج 7 ، ص 170 ( عرض ) .
( 10 ) وردت في ب : حج .