فأهملوا أمرها حتى [ 77 أ ] تداعت بالخراب . وسمعت بعض الأفاضل ينشد وقد اجتاز عليها بعده في مدة يسيرة :
عليك سلام الله من منزل قفر * فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري
عهدتك مذ شهر جديدا فلم أخل * صروف النوى تبلي مغانيك في شهر
فلحا الله دنيانا من ضبّة تأكل أولادها عقوقا ، وجافية لا ترعى لأضيافها أذمّة وحقوقا ، وإلى الله المشتكى من صروف الزمان ، وريب الحدثان .
ورثاه أبو الفتح البستي كاتبه بقوله :
قلت إذ مات ناصر الدين والدو * لة حيّاه ربه بالكرامة
وتداعت جموعه بافتراق * هكذا هكذا تقوم القيامة
وقوله أيضا :
توكّل على الله في كل ما * تحاوله واتخذه وكيلا
ولا يخدعنّك شرب صفا * فأنمى قليلا وأروى غليلا
فإن الزمان يذل العزيز * ويجعل كل جليل ضئيلا
ألم تر ناصر دين الإله * وكان المهيب العظيم الجليلا
أعدّ الفيول وقاد الخيول * وصيّر كل عزيز ذليلا [ 77 ب ]
وحفّ الملوك به خاضعين * وزفوا إليه رعيلا رعيلا
فلما تمكّن من أمره * وصار له الشرق إلا قليلا
وأوهمه العز أن الزمان * إذا رامه ارتد عنه كليلا
أتته المنية مغتاظة * وسلّت عليه حساما صقيلا
فلم يغن عنه حماة الرجال * ولم يجد فيل عليه فتيلا
كذلك يفعل بالشامتين * ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا