وعطف الأمير سبكتكين بعد ذلك إلى بلخ ، وعاد سيف الدولة إلى نيسابور . وقد كان أبو الحسن بن أبي علي بن سيمجور مقيما بقاين « 1 » عند الوقعة بناحية طوس ، فلما سمع بانكشاف عسكر أبيه ، ركب المسافة نحو الري ، فآواه فخر الدولة وأكرمه ، وخلع عليه فضله وكرمه ، وأمر له بخمسين ألف درهم مشاهرة تدرّ عليه عند ولاد كل شهر ، وأضاف إليه من المبارّ والصلات ووجوه الأحبية والكرامات ، ما تميز به عن أشكاله رعاية لحق أبيه ، وتبجحا بحصول مثله في جملة أوليائه وحملة أياديه . فأغراه سوء القضاء ودرك الشقاء بالهرب من مفترش الراحة ، ومتوسد الدعة « 2 » ، ومضطجع الرفاهية ، ومرتفق السلامة والعافية ، حتى زخّ « 3 » بنفسه في قحمة « 4 » الثبور من كورة نيسابور مطاوعة لهوى له كان زعم بها ، وظن أن استتاره يطوي خبره ، ويخفي عينيه وأثره ، إلى أن يقضي من « 5 » هواه وطره .
فلم يرعه إلّا إحاطة « 6 » الطلب به من حوالي [ 75 ب ] مستتره ، فاحترشوه « 7 » كما يحترش الضب من جحره ، وعجلوا به إلى الحبس من فوره ، وحمل بعد ذلك إلى معتقل أبيه ، إلى أن نفذ محتوم « 8 » القضاء فيه ، فيا له من أسر هدّ أسره ، وختم بطابع الشقاء عمره ، ورحم الله أم المؤمنين أم سلمة حيث تقول :
لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس
قد ينزع الله من قوم عقولهم * حتى يتم الذي يقضي على الرأس
وكان أميرك الطوسي قد اختلط بعسكر الأمير سيف الدولة ، فلما عنّ له عبور
هامش
( 1 ) قصبة إقليم قوهستان . انظر :Hudud al - Alam , P . 103؛ مستوفي - نزهة القلوب ، ص 142 ، ص 145 ؛ لسترنج - بلدان الخلافة ، ص 392 .
( 2 ) وردت في الأصل : الريحة . وفي ب : الداعة . والتصحيح من د .
( 3 ) دفع . ابن منظور - لسان العرب ، مج 3 ، ص 20 ( زخخ ) .
( 4 ) القحمة : ركوب الإثم ، والمهلكة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 464 ( قحم ) .
( 5 ) إضافة من ب .
( 6 ) وردت في الأصل : الإحاطة ، والتصحيح من ب .
( 7 ) حرش الضب : صيده . ابن منظور - لسان العرب ، مج 6 ، ص 280 ( حرش ) .
( 8 ) وردت في الأصل : محشوم ، وفي ب : مختوم . والتصحيح من د .