وقد سأله أبو رزين العقيلي : أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق ؟ فقال : في غمام ما تحته هواء وما فوقه هواء ، ثمّ خلق عرشه على الماء .
وهو الغمام الّذي ذكره اللَّه في قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
« 1 » .
قلت : هذا فيه نظر [ 1 ] ، لأنّه قد تقدّم
أن أوّل ما خلق اللَّه تعالى القلم وقال له :
اكتب . فجرى في تلك الساعة .
ثمّ ذكر في أوّل هذا الفصل أنّ اللَّه خلق بعد القلم وبعد أن جرى بما هو كائن سحابا ، ومن المعلوم أن الكتابة لا بدّ فيها من آلة يكتب بها ، وهو القلم ، ومن شيء يكتب فيه ، وهو الّذي يعبّر عنه هاهنا باللوح المحفوظ . وكان ينبغي أن يذكر اللوح المحفوظ ثانيا للقلم ، واللَّه أعلم .
ويحتمل أن يكون ترك ذكره لأنّه معلوم من مفهوم اللفظ بطريق الملازمة .
ثمّ اختلف العلماء فيمن خلق اللَّه بعد الغمام ، فروى الضحّاك بن مزاحم [ 2 ] عن ابن عبّاس : أوّل ما خلق اللَّه العرش ، فاستوى عليه . وقال آخرون :
خلق اللَّه الماء قبل العرش ، وخلق العرش فوضعه على الماء ، وهو قول أبي صالح عن ابن عبّاس ، وقول ابن مسعود ، ووهب بن منبّه .
وقد قيل : إن الّذي خلق اللَّه تعالى بعد القلم الكرسي ، ثمّ العرش ، ثمّ الهواء ، ثمّ الظّلمات ، ثمّ الماء فوضع العرش عليه .
قال : وقول من قال : إنّ الماء خلق قبل العرش ، أولى بالصواب لحديث أبي رزين عن النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وقد قيل : إن الماء كان على متن الريح حين خلق العرش ، قاله سعيد بن جبير عن ابن عبّاس ، فإن كان كذلك
هامش
[ 1 ] قلت : فيه نظر .
[ 2 ] فروى الضحاك عن ابن مزاحم .
2 *
( 1 ) . 210 .vs، 2 .Cor