فلمّا كان اليوم الّذي لقيها فيه جبرائيل نفد ماؤها فقالت ليوسف ليذهب معها إلى الماء ، فقال : عندي من الماء ما يكفيني إلى غد ، فأخذت قلّتها وانطلقت وحدها حتى دخلت المغارة ، فوجدت جبرائيل قد مثله اللَّه
لَها بَشَراً سَوِيًّا
[ 1 ] ، فقال لها : يا مريم إنّ اللَّه قد بعثني إليك
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
[ 2 ] .
قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
[ 3 ] أي مطيعا للَّه ، وقيل : هو اسم رجل بعينه ، وتحسبه رجلا ،
قالَ : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا . قالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
- أي زانية -
قالَ : كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ
، إلى قوله :
أَمْراً مَقْضِيًّا
[ 4 ] .
فلمّا قال [ 5 ] ذلك استسلمت لقضاء اللَّه ، فنفخ في جيب درعها ثمّ انصرف عنها وقد حملت بالمسيح ، وملأت قلّتها وعادت ، وكان لا يعلم في أهل زمانها أعبد منها ومن ابن عمّها يوسف النجّار ، وكان معها ، وهو أوّل من أنكر حملها ، فلمّا رأى الّذي بها استعظمه ولم يدر على ما ذا يضع ذلك منها ، فإذا أراد يتّهمها ذكر صلاحها وأنّها لم تغب عنه ساعة قطّ ، وإذا أراد يبرّئها رأى الّذي بها ، فلمّا اشتدّ ذلك عليه كلّمها فكان أوّل كلامه لها أن قال لها :
إنّه قد وقع من أمرك شيء قد حرصت على أن أميته وأكتمه فغلبني . فقالت :
قل قولا جميلا . فقال : حدّثيني هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت : نعم .
قال : فهل ينبت شجر بغير غيث يصيبه ؟ قالت : نعم . قال : فهل يكون
هامش
[ 1 ] ( سورة مريم 19 ، الآية 17 ) .
[ 2 ] ( سورة مريم 19 ، الآية 19 ) .
[ 3 ] ( سورة مريم 19 ، الآية 18 ) .
[ 4 ] ( سورة مريم 19 ، الآيات 19 - 21 ) .
[ 5 ] قالت .