تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في التاريخ — صفحة مقدمة 13

مساهمون:

صمقدمة ١٣
وبيّن ما في مطالعة التواريخ من فائدة ، فإن الإنسان يحبّ البقاء ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء ، فإذا قرأ أخبار الماضين فكأنّه عاصرهم ، وإذا علمها فكأنّه حاضرهم . ثمّ إنّ الملوك ومن إليهم الأمر والنهي ، إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ، ونظروا ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة ، وخراب البلاد ، وهلاك العباد ، وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها واطّرحوها . والكامل في التاريخ كسائر التواريخ القديمة ، سرد للحوادث والأخبار بحسب تواريخها . ويعترف صاحبه بأنّه نقل عن الطبري ، وقد أشار إلى ذلك في مقدّمته فقال إنّه أخذ عن التاريخ الكبير لأبي جعفر الطبري ، إذ هو الكتاب المعوّل عليه ، أخذ منه جميع تراجمه ، ولم يخلّ بواحدة منها ، على أنّه لم يتبع خطى الطبري في التأليف ، فإن الطبري كان يذكر في أكثر الحوادث روايات عديدة ، فقصد ابن الأثير إلى أتمّها فنقله وأضاف إليه . ويدلّنا قوله هذا على أنّه لم ينقل الحوادث التاريخيّة على علاتها ، وإنّما كان يختار منها ما يراه موافقا لمعقوله ويؤلّفه تأليفا جديدا بما يضيف إليه ، وهو إن لم يكن قد سار على أسلوب فلسفة التاريخ في نقده للحوادث وربطه بين الأسباب والمسببات ، وهو أسلوب لم يعرف إلّا مع ابن خلدون ، فإنّه كان ينقد ما ينقله ، ولم يكن ينقل إلّا كلّ ما رآه صوابا ، وكان يعرض عن نقل ما يراه غير موافق للعقل ، فعله بما رواه الطبري عن خلق الشمس والقمر وسيرهما ، قال : « وروى أبو جعفر ، هاهنا ، حديثا طويلا عدّة أوراق عن ابن عبّاس ، عن النبيّ ، صلى اللَّه عليه وسلم ، في خلق الشمس والقمر وسيرهما ، فإنّهما على عجلتين لكلّ عجلة ثلاث مائة وستون عروة يجرّها بعددها من الملائكة ، وإنّهما يسقطان عن العجلتين فيغوصان في بحر بين السماء