فاللّه واحد ، والنبيّ واحد ، والشريعة واحدة ، ولكن قضى عليهم القياس أن يتفرّقوا إلى مذاهب كأنّهم لم يقرؤوا قوله تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
« 1 » فأبطلت هذه الآية كلّ اختلاف جاء بالطوائف والفرق لأنّ الحقّ واحد لا يتجزّأ ،
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
« 2 » ، وقال اللّه تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 3 » .
وقالوا : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اختلاف أمّتي رحمة ، وهذا من العجائب أن يكون اختلاف الأمّة رحمة واتفاقها واتحادها ليس رحمة ، ولا حرج عليها من الاختلاف ، وفي الحديث : من حكم في وزن عشرة دراهم فأخطأ حكم اللّه يجيء يوم القيامة مقطوعا يداه . .
ونقيض هذه الرواية صحّة الاجتهاد : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران « 4 » ، وقالوا : كلّ مجتهد مصيب « 5 » ، ولمّا انكشفت تناقضات أئمّتهم للملأ اخترعوا مثل هذه الأحاديث ليغطّوا على أخطائهم فأضلّوا أنفسهم .
والعجب من هؤلاء أنّهم يعتقدون كلّ من اجتهد في مسألة في العالم مصيبا إلّا
هامش
( 1 ) آل عمران : 105 .
( 2 ) يونس : 32 .
( 3 ) النساء : 82 .
( 4 ) الأمّ للشافعي 6 : 216 و 7 : 99 ، الرسالة للشافعي : 494 ، مختصر المزني : 299 ، مجموع النووي 3 : 53 ، مغني المحتاج للشربيني 4 : 372 ، فتح المعين للهندي 4 : 39 ، البحر الرائق 7 : 76 ، المغني لابن قدامة : 27 ، المحلّى لابن حزم 1 : 69 و 70 ، سبل السلام 4 : 778 وقال : متفق عليه ، مسند أحمد 4 : 197 ، صحيح البخاري 8 : 157 ، صحيح مسلم 5 : 131 .
( 5 ) روضة الطالبين 7 : 421 ، حواشي الشرواني 1 : 50 ، المبسوط للسرخسي 10 : 191 و 12 : 69 ، المحلّى لابن حزم 1 : 70 ، بداية المجتهد لابن رشد 1 : 51 .