واستقال أبو بكر مرّات بقوله : « أقيلوني » فلست بخيركم وعليّ فيكم . ولم يترك عمر الناس كي يقيلوه وقالوا : لا نقيلك ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيّام ، وقيل : ثلاثة عشر يوما .
أخذ البيعة من الناس في سقيفة بني ساعدة في اليوم الأوّل ، وسانده جماعة من أعداء أهل البيت ، توفّي في اليوم السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وعمره ستّون سنة « 1 » ، وكان أبوه حيّا يوم وفاته ، ولم يستخلف أحد من الخلفاء وأبوه على قيد الحياة سواه ، وليس ذلك لخير يريده اللّه به لأنّ أباه امرئ غير معصوم من الخطأ فقد يخطأ ويرتكب معصية توجب عليه الحدّ فإن أقامه عليه ابنه فقد عصى اللّه فيم قوله :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
« 2 » وإن ترك الحدّ عصى في تركه « 3 » .
أمّا يوسف ونظائره من الأنبياء فإنّ نبوّتهم أتتهم بعد وفاة آبائهم ، سلّمنا أنّ منهم من كان نبيّا في حياة أبيه ، إلّا أنّه من ذوي العصمة الذي لا يظنّ بهم السوء ، ثمّ إنّ يوسف وأشباهه نوّاب آبائهم في حياتهم ولم يكونوا أنبياء على الاستقلال « 4 » .
أمّا ما يقال من أنّ أبا بكر كان في مبعث النبيّ ابن الأربعين عاما وبقي مع النبيّ
هامش
( 1 ) سبق أن ذكر المؤلّف عمره ثلاثا وستّين عاما .
( 2 ) الإسراء : 23 .
( 3 ) لا أرى وجها لهذا القول لأنّ تحريم « الأف » في الآية لأمور تعود إلى النفس وتدعو إلى التذمّر وإقامة الحدّ يعود إلى حقّ اللّه فلا يدخل تحت مفهوم الآية .
( 4 ) سبحان اللّه ! إنّ هذا لرأي بارد أجلّ المؤلّف عنه لأنّنا لو سلّمنا له بما قال عن الأنبياء وآبائهم فإنّ الإشكال باقي مع أمّهاتهم ، وحقوق الأمّ إن لم تزد على حقوق الأب فإنّها لا تقلّ عنه ، وكلّ ما قاله من نبوّتهم بعد موت آبائهم ونيابتهم عن آبائهم لا أصل له ، فمنهم من تنبّأ وأبوه حيّ أوليس بنبيّ أبوه ، وحينئذ يبقى الإشكال الذي ساقه على أبي بكر على حاله ، اللهمّ إلّا شيء واحد ينبغي أن يقتصر عليه وهو عصمتهم بخلاف ابن أبي قحافة ذي المعاصي وصاحب الشيطان .