فقال له أَبو عمرو : ما معنى قولك : لا تنى بالضيف تأمر ؟ فقال : من الونى ، أي لا تُقصر ، تأْمر بإِنزال الضيف وإِكرامه ، مثل قوله جل ذكره :
( وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي )
؛ فقال أَبو عمرو : تفسيرك للتصحيف أَغلظ من تصحيفك ، إنما هو :
وغررتنى وزعمت أَنّكَ لابن بالصَّيف تامِرْ
ويروى أَبو أَحمد العسكري أَيضا ، يقول : حدث موسى بن سعيد بن سلم ، قال : كان الأَصمعى يجئ إِلى أَبى فيقرأ عليه إخوتي الأشعار ، ثم جاءَنا أَبو عمرو الشيباني ، ونحن نقرأ على الأَصمعى شعر هذيل ، فمرت قصيدة لأَبى ذؤيب ، أَولها :
سَقى أُمَّ عَمْروٍ كُلَّ آخرِ لَيلةِ * حَناتِمُ سُودٌ ماؤهنَّ ثَجيجُ
بأَسفلِ ذاتِ الدَّيْر أُفْرِدَ جَحْشُها * فقد وَلَهَت يومَين فهي حَلُوجُ
فقال أَبو عمرو للأَصمعى : أَهكذا ترويه :
بأَسفل ذات الدير . . .
؟ قال : نعم ؛ قال : وأَى دير هناك ؟ إنما هو :
بأَسفل ذات الدبر . . .
.
ويعقب ياقوت في كتابه معجم البلدان فيقول : ذات الدبر : ثنية ، فصحفه الأَصمعى فقال : ذات الدير ، بنقطتين .
( ح ) ما أخذ عليه :
غير أَن أَبا عمرو كانت له نزوة ، وهي عُكوفه على شرب النبيذ واستهتاره بذلك ، على ما في شُرب النبيذ من أَقوال ، فإِنّ هذا كان مما صرف عنه عامة أَهل العلم ، وأُولع الشعراءِ بهجائه ، ففي ذلك يقول أَبو الشِّبل عاصم بن وَهب الشاعر ، وكان معاصرا له :
قد كنتُ أَحْجُو أَبا عَمْرٍو أخا ثقة * حتى أَلَمَّتْ بنا يوماً مُلمّاتُ
فقلتُ والمَرءُ قد تُخْطِيه مُتْيَتُه * أَدنَى عَطِيَّته إِيّاى مِيَّاتُ
فكان ما جادَ لي لا جاد عن سَعَة * دَراهمٌ زائفاتٌ ضَرْبَجِيّاتُ