سلّم فلا يستلزم فعليّة العلم عدم انفكاك المعلوم عنه عيناً ، بمعنى عدم مسبوقيّته بعدمٍ زمانيّ ، أو كون المعلوم في مرتبة العالم .
وعلى الثاني مبنيّ على كون الصور العلميّة صادرةً عنه صدور الأمور العينيّة ، فيكون من أقسام الموجودات العينيّة ومن أفعاله سبحانه ، وهو ممنوع ، فإنّ الصور العلميّة توابع غير عينيّة لذات العالِم ، ولا يحصل لها عدا الانكشاف لدى العالِم ، ولا حظّ لها من الوجود والحصول العيني أصلًا ، ولا مسبوقيَّة لها إلّابذات العالِم ، لكنّها ليست في مرتبة ذاته ، ولا يجب فيها نحو التأخّر الذي للأفعال الصادرة عن المبدأ بالإيجاد . « 1 »
أقول : قد سمعت وفهمت أقوال هؤلاء الفضلاء المتبحّرين ، وأيقنت أنّ مفاد بياناتهم في دفع تلك الشبهة يؤول إلى أمر واحد ، وهو الإقرار بالعجز عن دركهم كيفيّة علمه تعالى بمعلوماته ، وذلك لاجتهادهم جدّاً في الفرار عن القياس ، ولا يمكنهم درك شيء بحقيقة كيفيّة إلّابالقياس إلى ما هو معلوم لهم حقيقةً ، مثل كيفيّة علم المخلوق ، وعلم المخلوق غير ذاته ، وعلم الخالق تعالى عين ذاته ؛ ولذا اكتفى عليه السلام في الجواب بما هو الثابت المقطوع به عن الحجّة المعصوم العالم العاقل عن اللَّه ، فأشار بل صرّح فيه بأنّ علم المخلوق بكيفيّة علمه تعالى محال ، كعلمه بكيفيّة ذاته وحقيقة كنهه تعالى وعلمه سبحانه عين ذاته ، سبحان من لم يزل ربّاً عالماً ، تعالى شأنه عمّا يقولون .
الحديث السادس
روى في الكافي بإسناده ، « 2 » عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعَلِّمَنِي هَلْ كَانَ اللَّهُ - جَلَّ وَجْهُهُ - يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَنَّهُ وَحْدَهُ ؟ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَوَالِيكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ كَانَ يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنْ خَلْقِهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا مَعْنى « يَعْلَمُ » : « يَفْعَلُ » ، فَهُوَ الْيَوْمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَاغَيْرُهُ قَبْلَ فِعْلِ
هامش
( 1 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 363 - 364 .
( 2 ) . السند في الكافي المطبوع هكذا : « محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بنمحمّد » .