فَغَوى »
« 1 » بناءً على أنّ المتّصف بهما هو الذي ارتكب كبيرة من الذنوب ، أو صغيرة منها ، بدليل قوله تعالى :
« وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ »
« 2 » ، وقوله :
« إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ »
« 3 » ؛ فإنّ متابعة إبليس كبيرة ، أو صغيرة ، ووجه عدم المنافاة أنّ حصر العصيان والغواية في الكبيرة والصغيرة ممنوع ؛ إذ كما أنّهما يتحقّقان بفعل القبيح والحرام ، كذلك يتحقّقان بترك الأولى والمندوب .
وأمّا العصيان والغواية في الآية فإنّما يراد بهما ما حصل بفعل محرّم ؛ ألا ترى أنّك إذا قلت لرجل على سبيل التنزيه : لا تفعل كذا ؛ فإنّ الخير في خلافه ، ففعله ، صحّ لك أن تقول :
عصاني ، وخالفني ، فغوى ؛ أي خاب عن ذلك الخير . أو يُراد أنّه ضلّ عن مطلوبه بناءً على ما قيل من أنّه عليه السلام طلب الخلد بأكلها ، أو عن المأمور به ، أو عن الرشد حيث اغترّ بقول العدوّ .
وتفصيل المقام ما أفاده بعض الأفاضل الكرام حيث قال :
اعلم أنّ أقوى شبهة المخطئين للأنبياء الظواهر الدالّة على عصيان آدم عليه السلام ، وحملوها على ظواهرها بناءً على أصلهم من عدم وجوب عصمة الأنبياء ، وضبط القول في ذلك أنّ الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة :
أحدها : ما يقع في باب العقائد .
وثانيها : ما يقع في التبليغ .
وثالثها : ما يقع في الأحكام والفتيا .
ورابعها : في أفعالهم وسيرهم .
أمّا الكفر والضلال في الاعتقاد ، فقد أجمعت الامّة على عصمتهم عنها قبل النبوّة وبعدها ، غير أنّ الأزارقة من الخوارج جوّزوا عليهم الذنب ، وكلّ ذنب عندهم كفر ، فلزمهم تجويز الكفر عليهم ، بل يحكى عنهم أنّهم قالوا : يجوز أن يبعث اللَّه نبيّاً علم أنّه يكفر بعد نبوّته .
وأمّا النوع الثاني - وهو ما يتعلّق بالتبليغ - فقد اتّفقت الامّة ، بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلّق [ بالتبليغ ] عمداً
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 121 .
( 2 ) . الجنّ ( 72 ) : 23 .
( 3 ) . الحجر ( 15 ) : 42 .