بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي .
وعلى تقدير التجسّم أيضاً يحتمل ذلك ، كما يؤمي إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد ، وإقبالها إلى عالم آخر ، وتوجّهها إلى نشأة أخرى ، وبعد حركتها - بأيّ معنى كانت - ترى أشياء في الملكوت الأعلى ، وتطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات ، فإن كان لها صفاء ، ولعينها ضياء ، ترى الأشياء كما أُثبت ، فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير . وإن استدلّت على عين قلبه أغطية من التعلّقات الجسمانيّة والشهوات النفسانيّة ، فيرى الأشياء بصورة شبيهة لها ، كما أنّ ضعيف البصر ومؤوف العين يرى الأشياء على غير ما هي ، والعارف بعلّته يعرف أنّ هذه الصور المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأيّ شيء ، فهذا شأن المعبّر العارف بدأ كلّ شيء وعلّته ، ويمكن أن يُظهر اللَّه عليه الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة ، كما أنّ الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حيّة ، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة ؛ ليعرف أنّهما يضرّان ، وهما مستقذران واقعاً ، فينبغي أن يتحرّز عنهما ويتجنّبهما ، وقد يرى في الهواء أشياء ، فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها .
ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة والشهوات والخيالات الباطلة .
ويدلّ على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه ، عن أبيه ، عن سعد ، عن أحمد وعبداللَّه ابني محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمّد بن القاسم النوفلي ، قال : قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : المؤمن قد يرى الرؤيا ، فتكون كما رآها ، وربّما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً ؟
فقال : « إنّ المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكلّ ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحقّ ، وكلّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام » .
فقلت له : أوَ تصعد روح المؤمن إلى السماء ؟ !
قال : « نعم » .
قلت : حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه ؟
فقال : « لا ، لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء ، إذاً لمات » .
البضاعة المزجاة — صفحة 108
مساهمون: محمد حسين بن قارياغدي
ص١٠٨