وأقول : المراد بالدهاء هنا المكر والخديعة ، والحيل الباطلة ، واستعمال الرأي في تحصيل المطالب الدنيويّة والأمور السياسيّة ، وإن كان مخالفاً للقوانين الشرعيّة .
وقيل : كان هذا الكلام صدر منه هنا كالجواب لما كان يسمعه من أقوال الجاهلين بحاله ، ونسبته إلى قلّة التدبّر وسوء الرأي في أمور الدنيا ، ونسبة غيره إلى جودة الرأي وحسن التدبّر فيها ؛ لما بينهم من المشاركة في هذا العمل ، فمن كان فيه أتقن وأكمل كان عندهم أحسن وأفضل ، وغفلوا أنّه عليه السلام كان في جميع حركاته على القوانين الشرعيّة ، ورفض ما كان عادتهم من استعمال الدهاء في الأمور الدنيويّة ، فأفاد عليه السلام أنّ تمسّكه بزمام الورع والتقوى منعه من الدهاء ، وإلّا فهو أعرف بالدهاء وطرقه وكيفيّة استعماله من غيره ، ولم يكن ذلك مختصّاً به عليه السلام ، بل جاهل كلّ قوم يظنّ بعالمهم ذلك ؛ لأنّ العالم ملجم بلجام التقوى ، فطَوره في معاملة الدنيا ليس طورهم . « 1 » وقال ابن أبي الحديد في شرحه ل نهج البلاغة وكان من علماء العامّة :
اعلم أنّ قوماً ممّن عرف « 2 » حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام زعموا أنّ عمر كان أسوس منه ، وإن كان هو أعلم من عمر ، وصرّح الرئيس أبو علي سينا بذلك في الشفاء في الحكمة ، وكان شيخنا أبو الحسين يميل إلى ذلك ، وقد عرّض به في كتاب الغُرر ، ثمّ زعم أعداؤه ومبغضوه أنّ معاوية أيضاً كان أسوس منه وأصحّ تدبيراً .
وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين عليه السلام وصحّة تدبيره ، ونحن نذكر هنا ما لم نذكره هناك ممّا يليق بهذا الفضل الذي نحن في شرحه :
اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّاإذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه ، وتمهيد أمره ، وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أم لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه ، فبعيد أن ينتظم أمره ويستوسق حاله .
وأمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً بقيود الشريعة مدفوعاً إلى اتّباعها ، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممّن لا يلتزم بذلك ، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 239 .
( 2 ) . هذا ، وفي المصدر : « ممّن لم يعرف » .