أمر بالتبليغ أوّلًا ، والعلم بالمحسوسات والانتقال منها إلى الصانع وما له من الحكمة والقدرة - على ما قرّره الشرع - ليس بحجاب ، كيف وقد حثّ عليه - جلّ شأنه - في آيات كثيرة منها قوله :
« وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 1 » الآية .
ثمّ إنّهم قالوا : وجب الرجوع إلى المرشد ، وقد صرّح به الغزاالي في الكتاب المذكور ، فإن أرادوا بالمرشد النبيّ ، أو من أخذ الإرشاد منه ، فنعم الوفاق ، مع أنّه لا حاجة إلى توسّط النبيّ ، وإن أرادوا غيره فقد ضلّوا وأضلّوا . « 2 » ( والتدبّر قبل العمل ؛ فإنّه يُؤمنك من الندم ) أي يجب أن يكون التدبّر قبل الشروع في العمل ، ليؤمن من الندم بعده .
وهذه كلمة جامعة للنصائح كلّها ؛ إذ العمل شامل للأقوال والأفعال والعقائد مطلقاً ، والندامة أعمّ من أسف الدنيا والآخرة .
ونعم ما قيل : المدبّر قبل العمل بسبب ملاحظة ما يترتّب عليه لا يأتي بما يضرّه وما يورث الندامة في الدارين ، ويحبس كلّ عضو على ما هو المطلوب منه ، ولا يتحقّق ذلك إلّا برعاية قانون الشرع وآدابه . « 3 » ( ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواضع الخطأ ) .
في بعض النسخ : « مواقع الخطأ » . قال الجوهري : « الخطأ : نقيض الصواب ، وقد يمدّ » . « 4 » ولعلّ المراد بالآراء الظنون الحاصلة من الاجتهاد والقياس والأحكام العقليّة والشرعيّة ، وبوجوهها جهات الاختلاف فيها وتضادّها وتناقضها بالنظر إلى الأشخاص ، بل بالنظر إلى شخص واحد ؛ فإنّ من استقبل وتصفّح أحوال الناس في الظنون الاجتهاديّة والقياسيّة ، قلّ ما يجد اثنين منهم متّفقين على رأي واحد ، بل يجد واحداً منهم كثيراً ما يناقض نفسه .
فعلم من هذا الاختلاف والتناقض أنّ ابتناء أحكام الدين على الرأي والقياس من غير رجوع إلى القوانين المستنبطة من أصحاب الوحي ومن يحذو حذوهم باطل ، بل ارتكابه كفر وضلال .
والحاصل أنّ نفس اختلاف آراء العقلاء في أمر واحد وعدم اتّفاقهم عليه دليل واضح
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 191 .
( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 227 و 228 .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 228 .
( 4 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 47 ( خطأ ) .