تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البضاعة المزجاة — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
لِانْفُسِهِمَا مَهَّدَا ، يَتَلَاعَنَانِ فِي دُورِهِمَا ، وَيَتَبَرَّأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ يَقُولُ لِقَرِينِهِ إِذَا الْتَقَيَا : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ، فَبِئْسَ الْقَرِينُ ، فَيُجِيبُهُ الْأَشْقى عَلى رُثُوثَةٍ : يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْكَ خَلِيلًا لَقَدْ أَضْلَلْتَنِي
« عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا »
. « 1 » فَأَنَا الذِّكْرُ الَّذِي عَنْهُ ضَلَّ ، وَالسَّبِيلُ الَّذِي عَنْهُ مَالَ ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِهِ كَفَرَ ، وَالْقُرْآنُ الَّذِي إِيَّاهُ هَجَرَ ، وَالدِّينُ الَّذِي بِهِ كَذَّبَ ، وَالصِّرَاطُ الَّذِي عَنْهُ نَكَبَ ، وَلَئِنْ رَتَعَا فِي الْحُطَامِ الْمُنْصَرِمِ وَالْغُرُورِ الْمُنْقَطِعِ ، وَكَانَا مِنْهُ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ لَهُمَا عَلى شَرِّ وُرُودٍ فِي أَخْيَبِ وُفُودٍ ، وَأَلْعَنِ مَوْرُودٍ يَتَصَارَخَانِ بِاللَّعْنَةِ ، وَيَتَنَاعَقَانِ بِالْحَسْرَةِ ، مَا لَهُمَا مِنْ رَاحَةٍ ، وَلَا عَنْ عَذَابِهِمَا مِنْ مَنْدُوحَةٍ ، إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَزَالُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ ، وَسَدَنَةَ أَوْثَانٍ ، يُقِيمُونَ لَهَا الْمَنَاسِكَ ، وَيَنْصِبُونَ لَهَا الْعَتَائِرَ ، وَيَتَّخِذُونَ لَهَا الْقُرْبَانَ ، وَيَجْعَلُونَ لَهَا الْبَحِيرَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْحَامَ ، وَيَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ ، عَامِهِينَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ، حَائِرِينَ عَنِ الرَّشَادِ ، وَمُهْطِعِينَ « 2 » إِلَى الْبِعَادِ ، قَدِ « 3 » اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ، وَغَمَرَتْهُمْ سَوْدَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَرَضَعُوا « 4 » جَهَالَةً ، وَانْتَظَمُوا « 5 » ضَلَالَةً ، فَأَخْرَجَنَا اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَحْمَةً ، وَأَطْلَعَنَا عَلَيْهِمْ رَأْفَةً ، وَأَسْفَرَ بِنَا عَنِ الْحُجُبِ نُوراً لِمَنِ اقْتَبَسَهُ ، وَفَضْلًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَتَأْيِيداً لِمَنْ صَدَّقَهُ ، فَتَبَوَّؤُوا الْعِزَّ بَعْدَ الذِّلَّةِ ، وَالْكَثْرَةَ بَعْدَ الْقِلَّةِ ، وَهَابَتْهُمُ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ، وَأَذْعَنَتْ لَهُمُ الْجَبَابِرَةُ وَطَوَائِفُهَا ، وَصَارُوا أَهْلَ نِعْمَةٍ مَذْكُورَةٍ ، وَكَرَامَةٍ مَيْسُورَةٍ ، « 6 » وَأَمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ ، وَجَمْعٍ بَعْدَ كَوْفٍ ، « 7 » وَأَضَاءَتْ بِنَا مَفَاخِرُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ ، وَأَوْلَجْنَاهُمْ بَابَ الْهُدى ، وَأَدْخَلْنَاهُمْ دَارَ السَّلَامِ ، وَأَشْمَلْنَاهُمْ ثَوْبَ الْإِيمَانِ ، وَفَلَجُوا بِنَا فِي الْعَالَمِينَ ، وَأَبْدَتْ لَهُمْ أَيَّامُ الرَّسُولِ آثَارَ الصَّالِحِينَ : مِنْ حَامٍ مُجَاهِدٍ ، وَمُصَلٍّ قَانِتٍ ، وَمُعْتَكِفٍ زَاهِدٍ ، يُظْهِرُونَ الْأَمَانَةَ ، وَيَأْتُونَ الْمَثَابَةَ ، حَتّى إِذَا دَعَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله ، وَرَفَعَهُ إِلَيْهِ ، لَمْ يَكُ ذلِكَ بَعْدَهُ إِلَّا كَلَمْحَةٍ مِنْ خَفْقَةٍ ، أَوْ وَمِيضٍ مِنْ بَرْقَةٍ ، إِلى أَنْ رَجَعُوا عَلَى الْأَعْقَابِ ، وَانْتَكَصُوا عَلَى الْأَدْبَارِ ، وَطَلَبُوا بِالْأَوْتَارِ ، وَأَظْهَرُوا الْكَتَائِبَ ، وَرَدَمُوا الْبَابَ ، وَفَلُّوا الدَّارَ « 8 » ، وَغَيَّرُوا آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، وَرَغِبُوا عَنْ أَحْكَامِهِ ، وَبَعُدُوا عَنْ « 9 » أَنْوَارِهِ ، وَاسْتَبْدَلُوا بِمُسْتَخْلَفِهِ بَدِيلًا اتَّخَذُوهُ ، وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وَزَعَمُوا أَنَّ مَنِ اخْتَارُوا مِنْ آلِ أَبِي قُحَافَةَ أَوْلى بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مِمَّنِ اخْتَارَهُ « 10 »
هامش
( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 28 و 29 . ( 2 ) . في الطبعة القديمة : « مهطعين » بدون الواو . ( 3 ) . في الطبعة القديمة : « وقد » . ( 4 ) . في الطبعة القديمة : « ورضعوها » . ( 5 ) . في الطبعة القديمة : « وانفطموها » . ( 6 ) . في الحاشية عن بعض النسخ : « منشورة » . ( 7 ) . في الحاشية عن بعض النسخ والوافي : « حوب » . ( 8 ) . في الطبعة القديمة : « الديار » . ( 9 ) . في كلتا الطبعتين وحاشية النسخة : « من » . ( 10 ) . في الطبعة القديمة : « اختار » .