أحد الشريكين من محدَثات الآخر . وهذا إشارة إلى إبطال مذهب المجوس في الاثنينيّة ، وهو أنّ صانع الخيرات بلا آلة « يزدان » وهو اللَّه تعالى ، وصانع الشرور بلا آلة « أهرَمَنْ » وهو الشيطان . وأهرمن من محدثات يزدان ، وكلّ منهما مستقلّ في القدرة على فعله . « 1 »
وحينئذٍ نقول : لا يخلو هذان القديمان من أن يكونا :
( قَوِيَّيْنِ ) أي مستقلّين بالقدرة على كلّ ممكن في نفسه ، سواء كان موافقاً للمصلحة أم مخالفاً .
( أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ ) ولو في ممكن من الممكنات ، أي غير مستقلّين بالقدرة على ممكنٍ مّا في نفسه .
( أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيّاً ) على كلّ ممكن في نفسه ( وَالْآخَرُ ضَعِيفاً ) في ممكن من الممكنات .
( فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ ، فَلِمَ لَايَدْفَعُ ) . الاستفهام للإنكار ، أي يدفع البتّة ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ) عن الشركة ( وَيَتَفَرَّدَ بِالتَّدْبِيرِ ؟ ) .
لأنّ كون كلّ منهما قويّاً في مقدور واحد مشتملٌ على التدافع ، أي التنافي ، فضلًا عن كون كلّ منهما قويّاً في كلّ ممكن ؛ لأنّ معنى القوّة والقدرة بالاستقلال كون شخص بحيث لو أراد أيّ مقدور به من فعل وترك ، لم يقدر غيره على منافي مراده ، فقوّة كلّ منهما في كلّ ممكن مستلزمة لضعف الآخر في كلّ ممكن ، وأن لا يصدر عن الآخر ممكن إلّابتمكين الأوّل إيّاه وعدم إرادته ضدّه ، وهذا تفرّد بالتدبير في كلّ ممكن .
ويحتمل أن يُراد بدفع كلّ منهما صاحبَه دفعُه عن القوّة ، أو عن إرادته ضدّ مراد الأوّل . ومآل الكلّ واحد .
وفي هذا إشارة إلى إبطال مذهب المجوس مرّةً أخرى ، وإلى إبطال مذهب أشباه المجوس من هذه الامّة ، وهم المعتزلة القائلون باستقلال العبد في قدرته على
هامش
( 1 ) . مجمع البيان ، ج 4 ، ص 125 ؛ معارج الفهم ، ص 379 ؛ المواقف ، ج 3 ، ص 65 ؛ شرح المواقف ، ج 8 ، ص 44 ؛ نقد المحصّل ، ص 131 ( طبع مصر ) ؛ تفسير الرازي ، ج 13 ، ص 113 .