روى ابن بابويه في توحيده في « باب الاستطاعة » عمّن سأل أبا عبداللَّه عليه السلام فقال له : إنّ لي أهلَ بيت قدريّة يقولون : نستطيع أن نعمل كذا وكذا ، ونستطيع أن لا نعمل ؟ قال :
فقال أبو عبداللَّه عليه السلام : « قل له : أتستطيع « 1 » أن لا تذكر ما تكره ، ولا تنسى « 2 » ما تحبّ ؟ فإن قال :
لا ، فقد ترك قوله ، وإن قال : نعم ، فلا تكلّمه أبداً ، فقد ادّعى الربوبيّة » انتهى . « 3 »
وقولهم : نستطيع أن نعمل معناه : نستطيع الحالَ أن نعمل في ثاني الحال .
إن قلت : ليس مذهب المعتزلة أنّا نتمكّن في الحال على فعل في ثاني الحال تمكّناً يكون مع استجماع العلّة التامّة له حقيقةً أو حكماً ؛ إنّما مذهبهم تقدّم آلة التمكّن ، وهي ما يظنّ معه حصول التمكّن في وقت الفعل كما ذكرتم عند قوله عليه السلام : « فجعل فيهم آلة الاستطاعة » ، وهذا مناط صحّة تعلّق التكليف الظاهري ، ولذا وجب الشروع في السير إلى مكّة على من استطاع له وإن علم اللَّه منه أنّه يموت قبل الوصول . وأمّا التمكّن الذي هو مناط صحّة تعلّق التكليف الواقعي المنجّز الذي يدور معه استحقاق العقاب على المخالفة وجوداً وعدماً ، فلا يحصل إلّافي وقت الفعل .
قلت : هذا توجيه حسن من جانبهم لو رضوا بذلك ، ولم يصرّحوا بنقيضه ، ولا يبقى لنا حينئذٍ نزاع معهم فيه ، ولكن صرّحوا بالنقيض ؛ فإنّ جماهيرهم يقولون : لا تتحقّق القدرة في وقت الفعل ، وباقيهم يقول : إنّه تبقى القدرة إلى وقت الفعل ، لكنّ الفعل لا يصدر عن الفاعل بها ؛ إنّما يصدر بالقدرة المقدّمةُ كما ذكره شارح المواقف ، « 4 » وسيظهر من أولى شبههم وثانيتها . فعلى هذا التوجيه يلزم أن لا يتحقّق في المكلّفين في الواقع التمكّنُ - الذي هو مناط جواز التكليف الواقعي أصلًا على رأي جماهيرهم - ويتحقَّقَ على احتمال لغوا على رأي باقيهم .
هامش
( 1 ) . في « ج » : « تستطيع » بدون همزة الاستفهام . وفي المصدر : « هل تستطيع » .
( 2 ) . في المصدر : « وأن لا تنسى » .
( 3 ) . التوحيد ، ص 352 ، ح 22 .
( 4 ) . شرح المواقف ، ج 6 ، ص 154 .