ثاني « باب الاستطاعة » من « كتاب التوحيد » .
( الْمَرْهُوبِ ) أي المخوف ( لِجَلَالِهِ ) أي لأنّه يجلّ عن النقص وعن القبيح ؛ يقال : جلّ عن كذا : إذا لم يتّصف به ؛ لأنّه نقص أو قبيح ، أي سواء كان في صفات ذات - كالصورة والتخطيط - أم صفات فعل كالظلم ، وهو وضع الشيء في غير موضعه . وهو إشارة إلى أنّه تعالى يعذّب البتّة مَن كان العفو عنه ظلماً من العُصاة ، كما في قوله تعالى في سورة الأنفال :
« ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 1 » ، وتفصيله وبيان مفهوم المبالغة في الآية في حواشينا على عدّة الأصول .
( الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ ) . الظرف في مقام الفاعل . ( فِيمَا عِنْدَهُ ) هو خزائن السماوات والأرض .
( النَّافِذِ أَمْرُهُ فِي جَميعِ خَلْقِهِ ) . « أمره » إشارة إلى ما في سورة يس :
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
« 2 » .
( عَلَا فَاسْتَعْلى ) . هذا إلى قوله : ( منظر ) مذكور في « كتاب الروضة » في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام . « 3 » والمراد بالعلوّ هنا استجماع جميع صفات الكمال والبراءة من كلّ نقص وقبيح ، والفاء للتعقيب ، والاستعلاء إظهار العلوّ بخلق العالم . وهذا إشارة إلى الحديث القدسي : « كنتُ كنزاً مخفيّاً ، فأحببت أن اعرف ، فخلقت الخلق كي اعرف » . « 4 »
( ودَنَا ) أي من أذهان الخلق لتحقّق شواهد ربوبيّته في كلّ مخلوق ، موافقاً لقوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ »
« 5 » فيتيسّر العلم بربوبيّته تعالى لكلّ مكلّف .
( فَتَعَالى ) أي عن أن يجري فيه شكّ أو شبهة ، فليس جحد الجاحدين إلّابمحض اللسان والمكابرة . والفاء هنا يحتمل التعقيب والتفريع .
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 182 .
( 2 ) . يس ( 36 ) : 82 .
( 3 ) . الكافي ، ج 8 ، ص 67 ، ح 23 .
( 4 ) . حكاه في رسائل الكركي ، ج 3 ، ص 159 ؛ والرازي في تفسيره ، ج 28 ، ص 234 ؛ وابن عربي في تفسيره ، ج 2 ، ص 123 ؛ وأبو السعود في تفسيره ، ج 2 ، ص 130 .
( 5 ) . الأعراف ( 7 ) : 185 .