شرح
كلّ واحد منهما مؤثّراً في بعض دون بعض بأن يكون أثر كلّ منهما مغايراً لأثر الكلّ ، وحينئذٍ يلزم الترجيح بلا مرجّح ، وكلاهما محالان « أو » يكونا « مفترقين من كلّ جهة » أي من كلّ جهة كانت ؛ يعني أو يكونا مفترقين من أيّ جهة كانت ، سواء كان الافتراق في ذاتهما أو في صفاتهما أو فيهما معاً ، فمعناه أنّه أو لا يكونا متّفقين من جميع الجهات ، بل يكونا مفترقين في الجملة ، فالحصر حاصر .
ويحتمل أن يكون معناه : أو لا يكون نسبة كلّ واحد واحد من المعلولات إلى كلّ واحد منهما متساوية ، بل يكون في كلّ منهما ما يختصّ به معلوله دون معلول الآخر .
وعلى التقديرين فذلك باطل من وجهين :
أحدهما : لأنّه يلزم من تعدّده فساد العالم وخروجه عن النظام الذي هو عليه ، وبطل الارتباط الذي « 1 » بين أجزاء العالم ، واختلّ انتظامها واتّساقها ، فلم يكن بينها هذا النظام والانتظام ، ولم يحصل ذلك الارتباط والاتّساق ، ولم يوجد ذلك « 2 » الصلاح الوحداني ، بل يوجد الوضع منتشراً ، والصنع متبدّداً ، والرؤساء متكثّراً ، ويختلّ « 3 » الارتباط والسياسة التي بين أجزائه كما يشهد به الفطرة السليمة ، ويحكم به الفطنة الصحيحة القويمة ، ونطق به الآية الكريمة حيث قال عزّ من قال :« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »« 4 » وقد مرّ تفصيل ذلك في التنبيه الأوّل من الأصل الثاني من الهداية الإلهيّة « 5 » . والتالي باطل فكذا المقدّم ؛ لأنّا « لمّا رأينا الخلقَ منتظماً ، والفَلَكَ جارياً ، والتدبيرَ واحداً ، و » رأينا « الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ » في غاية الارتباط والانتظام والاتّساق « دلّ صحّةُ الأمرِ والتدبيرِ وائتلافُ الأمر على أنّ المدبِّرَ واحدٌ » .
وثانيهما : لأنّه قد مرّ فيما سبق أنّ العالم الجسماني واحد طبيعي ، وأنّه حيوان واحد ،
هامش
( 1 ) . في النسخة : « التي » .
( 2 ) . في النسخة : « تلك » .
( 3 ) . في النسخة : « ويحتمل » .
( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 .
( 5 ) . مرّ في ص 368 .