شرح
الثاني : ما يستفاد من كلام الرئيس من أنّه يلزم أن يكون ذلك المعلوم معلوماً مرّات غير متناهية ، فإن قال قائل بمنع بطلان اللازم ، قلنا : نعلم أنّه ليس في قوّة هذا الإدراك أن ينفصل إلى إدراكات كثيرة .
الثالث : أنّه معلوم ظاهر أنّ كلّ ما يظهر من كلّ فهو أكثر ممّا يظهر من جزئه ، فلو أدركت قوّة جسمانيّة أمراً غير منقسم ، وأدرك كلّ جزء منها هذا الأمر بعينه ، لزم أن يكون ما ظهر من الجزء مثل ما ظهر من الكلّ ، وإذا بطل الاحتمال الأوّل والثاني تعيّن الثالث ، وهو أن يكون ما يدركه بعض القوّة الجسميّة بعضاً ممّا يدركه كلًاّ فلم يكن ما تدركه القوّة الجسميّة أمراً غير قابل للقسمة ، وإذا كان ما يدركه « 1 » القوّة الجسميّة منقسماً كان كلّ جزء من القوّة مدركاً لجزء من ذلك الأمر ، كلّ جزء بإزاء جزء منقسم بانقسامه كأنّه منطبق عليه ، فلم يلزم محذور .
فظهر وثبت أنّ القوّة الجسميّة لا تدرك الأمر الغير المنقسم أصلًا ، ولا ريب أنّ النفس الإنسيّة تدرك « 2 » كثيراً من الأمور المعقولة الغير المنقسمة ، فإنّا نعلم ضرورة أنّا نعلم امورَ كثيرةٍ مفهومات ، ومعاني عديدة لا يقبل شيء منها قسمة أصلًا ، مثل معنى الحصول والشيئيّة ، والإمكان والوجوب ، والنسبة والإضافة ، والثبوت والتحقّق ، والنفي والسلب ، ومعنى كلمة « لا » والرجحان والزيادة والنقصان ، والمرّة والكرّة والأفضليّة والتفضيل ، والتجرّد والضمّ ، والاشتراط والإفاضة ، والعلّيّة والمعلوليّة ، والوحدة والأوّل والآخر .
وبالجملة ، معلوم بالضرورة أنّ في معلوماتنا اموراً « 3 » ومعانيَ غير قابلة للقسمة أصلًا بوجه ، فالنفس الإنسيّة قوّة مجرّدة لا أمر جسماني ، وإلّا لم تكن « 4 » مدركة لها أصلًا .
ثمّ تلك النفوس المجرّدة الإنسيّة ليست بواجبة بالذات .
أمّا أوّلًا فلما مرّ من أنّ كلّ نفس إذا رجعت وجدانها تعلم أنّ لها أمراً أو ذاتاً تتّكل
هامش
( 1 ) . في النسخة : « يدركه » .
( 2 ) . في النسخة : « يدرك » .
( 3 ) . في النسخة : « أمور » .
( 4 ) . في النسخة : « لم يكن » .