تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف الوافي في شرح أصول الكافي — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يَسْألْنِي عنها أحَدٌ قبلَك ، ولا يَسْألُنِي أحدٌ بعدَك عن مثلِها ، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام : « هَبْكَ عَلِمتَ أنّك لم تُسألْ فيما مضى ، فما عَلَّمَكَ أنّك لا تُسألُ فيما بعدُ ، على أنّك يا عبد الكريم نَقَضْتَ قولَك ؛ لأنّك تَزعُمُ أنَّ الأشياءَ من الأوَّل سواء ، فكيف قدّمْتَ وأخّرتَ ؟ ! » . ثمَّ قال : « يا عبد الكريم ، أزيدُك وضوحاً : أرأيتَ لو كان معك كِيسٌ فيه جواهرُ ، فقال لك قائلٌ : هل في الكيس دينارٌ ؟ فَنَفَيْتَ كونَ الدينار في الكيس ، فقالَ لك صِفْ لي الدينار وكنتَ غير عالم بصفته ، هل كانَ لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟ » قال : لا ، فقال أبو عبداللَّه عليه السلام : « فالعالَمُ أكبرُ وأطولُ وأعرضُ من الكيس ، فلعلَّ في العالم صَنعةً من حيثُ لا تَعلَمُ صِفَةَ الصنعةِ من غير الصنعة » . فَانْقَطَعَ عبدُالكريم ، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه ، وبقي معه بعض . فعادَ في اليوم الثالث ، فقال : أقْلِبُ السؤالَ ، فقال له أبو عبداللَّه عليه السلام : « سَلْ عمّا شئتَ » . فقال : ما الدليلُ على حَدَثِ الأجسام ؟ فقال : « إنّي ما وَجَدْتُ شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلّاوإذا ضُمَّ إليه مِثلُه صارَ أكبَرَ ، وفي ذلك زوالٌ وانتقالٌ عن الحالة الأولى ، ولو كانَ قديماً ما زالَ ولا حالَ ؛ لأنَّ الذي يَزولُ ويَحولُ يَجوزُ أن يوجَدَ ويُبْطَلَ فيكونُ بوجوده بعد عدمِه دخول في الحَدَث ، وفي كونه في الأزل دخولُه في العدم ، ولن تجتمعَ صفةُ الأزلِ والعدم والحدوث والقدم في شيءواحد » . فقال عبد الكريم : هَبْكَ علمتَ في جَرْي الحالتينِ والزمانينِ على ما ذكرتَ واستدللتَ بذلك على حدوثها ، فلو بَقِيَتِ الأشياءُ على صِغَرها من أين كان لك أن تَستدلَّ على حدوثهنَّ ؟ فقال العالم عليه السلام : « إنّما نتكلّم على هذا العالَم الموضوعِ ، فلو رفعناه ووضعنا عالَماً آخَرَ كانَ لا شيءَ أدَلَّ على الحدث من رَفْعِنا إيّاه ووَضعنا غيرَه ، ولكن اجيبُك من حيث قَدَّرْتَ أن تُلْزِمَنا ، فنقول : إنَّ الأشياءَ لو دامَتْ على صِغَرِها لكانَ في الوهم أنّه متى ضُمَّ شيءٌ إلى مثله كانَ أكبر ، وفي جواز التغيير عليه خروجُه من القِدَم ، كما أنّ في تغييره دخولَه في الحَدَث ليس لك وراءَه شيءٌ يا عبد الكريم » فانقطع وخزي .