مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ »
« 1 » وهو في الحقيقة عبارة عن إيراد مثال جزئيّ محسوس لأمر كلّي معقول ، وذلك لأنّ أكثر الأفهام قاصرة عن الوصول إلى ماهيّة الشيء في مادّة محسوسة كمن لا يعرف حقيقة العلم فيقال له : إنّه مثل اللبن ؛ لأنّه غذاء للروح يتغذّى به الروح الناقص ويصير به كاملًا ، كما يتغذّى باللبن الطفل الناقص ويصير كاملًا ، وهو غذاء كلّه لبّ لا قشر له كاللبن لا نخالة فيه كما يمثّل القرآنَ بالحبل المتين ، والشرعَ بالقيد .
وبالجملة ، مثال الشيء ما إذا نُظر إلى صورته الظاهرة ، لم يكن إيّاه ، وإذا نظر إلى روح معناه وفحواه ، كان هو ذلك الشيءَ ، وأكثر ما في القرآن أمثال ضربت للناس ظواهرها حكاية عن حقائقها . قال عزّ من قائل :
« وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ »
« 2 » .
والحاصل أنّه لمّا ظهر وجوده تعالى ووحدانيّته المقدّسة بالدلائل القادمة أراد عليه السلام إثباتها من قبيل ضرب الأمثال ، وذلك بأن يقال في تفسير هذا الكلام في هذا المقام : إنّ من له مملوك لا يصحّ كونه شريكاً في ماله ولا حرمة له كحرمة مولاه ، وما عداه تعالى تحت حيطة قدرته البالغة ومجعول جعله وتأثيره ، فكيف يكون شريكاً له في العبوديّة !
هذا مثالٌ ، ضرب لنفي شريكه في الإلهيّة والمعبوديّة .
ثمّ إنّ بين المثال والممثّل مشابهة من وجه ومخالفة من وجه بل من وجوه :
أحدها : قوله
« مِنْ أَنْفُسِكُمْ »
يعني ضرب لكم مثالًا من أنفسكم مع بطلانها في جوهر ذاتها ونقصانها في قوام حقيقتها وحاجتها في حقيقة ماهيّتها إليه تعالى ، ومع ذلك قاس ذاته المقدّسة مع كماليّته وتماميّته وفوق تماميّته وغناه عنكم .
وثانيها : قوله
« ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ »
« 3 » يعني أيديكم . ولمّا كانت اليد اليمنى أقوى
هامش
( 1 ) . الروم ( 30 ) : 28 .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 43 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 3 وآيات اخر .