الناس لا يمكنهم تعقّله من طريق العلم واليقين ، فلا منافاة بين كونها حقّة في الواقع وبين كونها خطابيّة أو جدليّة أو مشاغبيّة كما لا يخفى .
واعلم أنّ الآيات والأخبار في فضيلة الزهد وذمّ الدنيا كثيرة ، وقد نبّه اللَّه سبحانه على دثور الدنيا ووهنها وخسّتها وبطلانها بأن مثّلها تارةً بالسراب في أرضٍ
« بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً »
« 1 » ، وتارةً بالظلمات « 2 » ، وتارةً ببيت العنكبوت « 3 » ، وتارة بالأحلام والمنامات « 4 » .
وقال :
« وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى »
« 5 » .
وقال في وصف الكفّار :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ »
« 6 » ، فبدلالة المفهوم يظهر اتّصاف المؤمن بنقيضه ، فيستحبّ الآخرة على الدنيا .
وعن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : « من زهد في الدنيا ، أثبت اللَّه الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه ، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها ، أخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام » « 7 » .
وهو أيضاً يدلّ بالمفهوم على أنّ البصير بعيوب الدنيا هم الحكماء .
وعنه عليه السلام : « جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا » . « 8 »
وعنه عليه السلام : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له » . « 9 »
هامش
( 1 ) . النور ( 24 ) : 39 .
( 2 ) . إشارة إلى الآية 63 من سورة النمل ( 27 ) :« أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ».
( 3 ) . إشارة إلى الآية 41 من سورة العنكبوت ( 29 ) :« مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ».
( 4 ) . إشارة إلى الآية 44 من سورة يوسف ( 12 ) :« أَضْغاثُ أَحْلامٍ ».
( 5 ) . طه ( 20 ) : 131 .
( 6 ) . النحل ( 16 ) : 107 .
( 7 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 128 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها . . . ، ح 1 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 410 ، ح 5890 .
( 8 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 128 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها . . . ، ح 2 ؛ نور الثقلين ، ج 3 ، ص 521 ، ح 221 ؛ وسائل الشيعة ، ج 16 ، ص 12 ، ح 5 .
( 9 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 129 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها . . . ، ضمن ح 8 ؛ مسند أحمد ، ج 6 ، ص 71 ؛ مكارم الأخلاق ، ص 447 .