جملتها قوله تعالى :
« وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ »
« 1 » والإنسان بحصّة حيوانيّته المشتركة من الدوابّ والبهائم ، وإنّما يزيد عليها بفضيلة صورة أخرى زائدة على الحيوانيّة بها يمتاز عن غيره .
ثمّ إنّ الفرق بين هذه الآية والآية التي نقلناها في كيفيّة خلقة الإنسان وتدرّجه في الأطوار أنّ الكلام في الأولى كان من جهة الصورة ، وهاهنا من جهة المادّة ، فذكر اللَّه هناك صورةً بعد صورة متدرّجة إلى الشرف والكمال إلى أن انتهت إلى صورة هي أشرف وأكمل من الصورة السابقة التي كلّها من أطوار هذه النشأة ، وهي آخر أطوار هذه النشأة وأوّل أطوار النشأة الاخرويّة ، ولذلك أردف ذكره بقوله :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 2 » ؛ تنبيهاً على أنّ في أطوار الخلق ليس شيء أحسن منه ، وله أطوار أخرى داخلة في عالم الأمر .
ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر كيفيّةَ تكوّن هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً ، والنطفة متكوّنة من التراب ، فذلك التراب صار نطفة ، ثمّ علقة ، ثمّ بعد كونه علقة مراتبُ كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الامّ الصغرى ، ويمكث في الدنيا التي هي بطن الامّ الكبرى ، ومقدار ذلك المكث وهو عمر دنياه ، كما أنّ تسعة أشهر ونحوَها كان مقدارَ مكثه في بطن امّه ، المستلزمِ لحركاته الكونيّة والكيفيّة .
وأمّا عمر الآخرة ، فلا نهاية له .
فترتّب هذا العمر على ثلاث مراتبَ حسبَ اختلاف استحالاته الكونيّة :
أوّلها : أن يكون طفلًا .
وثانيها : أن يبلغ أشدّه .
وثالثها : الشيخوخة .
وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ؛ وذلك لأنّ الإنسان في أوّل عمره يكون في
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 164 .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 .