تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قُطّان الأرض .
وأمّا ارتفاع الشمس وانحطاطها ، فقد جعلهما اللَّه تعالى سببين لإقامة الفصول الأربعة .
وأمّا القمر فهو تلو الشمس وخليفتها ، وبه يعلم عدد السنين والحساب ، وتضبط المواقيت الشرعيّة ، ومنه يحصل النماء والرداء ، وقد جعل اللَّه في طلوعه وغروبه مصلحةً وكذا في تشكّلاته وسائر أحواله من الاستقامة والإقامة والرجوع .
وكذلك الأمر في أمر خلق النجوم وعجائب أشكالها وصورها ومقاديرها إلى أنّ وجودها بقدرته تعالى ، وأنّ حركاتِها الوضعيّةَ والمكانيّة الدوريّة بتسخير اللَّه وأمره ووحيه عبوديّةً وطاعةً له ، ثمّ يترتّب عليها منافعُ عظيمة في المخلوقات الأرضيّة .
ومن هاهنا قيل : إذا تأمّلت هذا العالم ، وجدته كالبيت المعدّ فيه كلُّ ما يُحتاج ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والإنسان كمالك للبيت المتصرّف فيه ، وضروب النبات مهيّأة لمنافعه ، وصنوف الحيوان متصرّفة في منافعه « 1 » .
ثمّ إنّ التفكّر والتدبّر في السماوات وما فيها من الكواكب على وجهين :
[ أحدهما ] ما يتعلّق بظاهر أجرامها وأعظامها وأشكالها وأوضاعها وهيآتها وحركاتها وما يترتّب عليها من المنافع الجليّة ، وهذا العلم ممّا اعتنى بإدراكه علماء لهَيْأة والهندسة ، والطبيعيّون كلّ منها من جهة أخرى .
وثانيهما : ما يتعلّق بملكوتها ونفوسها المحرّكة والملائكة المدبّرة إيّاها تدبيراً إلهيّاً كما بيّن ذلك في الحكمة الإلهيّة .
قال :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ »
« 2 » . [ ص 13 ح 12 ]
أقول : لا يخفى أنّ المراد من هذه الآية النظر في كيفيّة خلقة الإنسان ، [ و ] هو من جملة الأمور المندرجة في الأشياء الثمانية المذكورة في الآية المتقدّمة ، فإنّ من
هامش
( 1 ) . التوحيد للمفضل ، ص 11 ؛ تفسير الرازي ، ج 2 ، ص 109 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 61 .
( 2 ) . غافر ( 40 ) : 67 .