وجميع ذلك لأجل أنّ إيمانهم لم يكن إيماناً حاصلًا من طريق الاستبصار بالآيات والبراهين ، ولا علمه نوراً فائضاً على قلبه من اللَّه مكتوباً فيه بقلم اللَّه
« أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »
« 1 » ،
« أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
« 2 » بل كان إيمانهم تقليديّاً ، وعلمهم حاصلًا من أفواه الرجال ، وهداهم هدى الخلق بالرواية والكتابة ، لا هدى الحقّ بالدراية
« قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ »
، ومثلهم لا يأمن في حقّهم مكر اللَّه ، فالمؤمن المستبصر ما دام في الدنيا لابدّ أن يلتجىء إلى اللَّه ، ويتضرّع له بالدعاء أن لا يزيغ قلبه من الهدى ، وأن يتفضّل عليه بهدىً ورحمةٍ من عنده وعلماً وحكمةً من لدنه . وإلى ما ذكرنا أشار بقوله عليه السلام : « يا هشام ! إنّ اللَّه حكى » ، إلى آخره .
قال عليه السلام : ورداها أنّه لم يخف اللَّه . [ ص 18 ح 12 ]
أقول : أشار به إلى ما هو كالبرهان على أنّ القلوب متى لم تعرف عن اللَّه من شأنها تزيغ عن الحقّ وتعود إلى العمى .
والردى من وجهين : أحدهما : عملي ، والآخر علمي .
فالأوّل قوله عليه السلام : « لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه » ، وسببه أنّ من لم يعقل عن اللَّه كان إيمانه إمّا تقليديّاً محضاً كالعوامّ ، وإمّا ظنّياً تخمينيّاً أو جدليّاً كلاميّاً . وكلّ ذلك لا يوجب الخوف من اللَّه والخشية من عذابه ؛ إذ الأكثرون لم يعرفوا من الأصول الحِكْميّة كيفيَّةَ العلم به تعالى من صفاته وسماته وتقدّسه عن التغيير والانتقال والتحدّد والانفعال ، وغناه عمّا سواه وعن عبادتهم وعصيانهم .
وهو كما يقول في الحديث عنه تعالى : « هؤلاء للجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي » « 3 » .
هامش
( 1 ) . المجادلة ( 58 ) : 22 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 5 .
( 3 ) . علل الشرائع ، ج 2 ، ص 606 ، ضمن ح 81 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 182 ، ضمن ح 78 ؛ المستدرك للحاكم النيسابوري ، ج 1 ، ص 31 .