قال عليه السلام : إنّ الدنيا طالبة مطلوبة . [ ص 18 ح 12 ]
أقول : توضيحه بأمرين :
أحدهما : أنّ رزق الدنيا ونَصيبَ الإنسان منها لا يتعلّق بكسبه وسعيه ، بل هو مقدّر مضمون يصل إليه سواء اختاره أو لا ، وسواء تعب وكدّ في تحصيله أو لا .
وإليه الإشارة بقوله تعالى :
« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ »
« 1 » .
بعض الفلاسفة على أنّ الدنيا دار إنفاق بخلاف رزق الآخرة ونعيم الإنسان أو عذابه منها ؛ فإنّه يتعلّق لا محالة بسعيه وكسبه
« لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى »
« 2 » ، وذلك لأنّ كلّ ما يصل إليه فهو صور أخلاقه ، وتبعات صفاته وأفعاله ، ليس بخارج عنه ، وارد عليه كما يستفاد من معرفة أحواله .
وثانيهما : أنّ كلّاً من الدنيا والآخرة طالبة لمن مطلوبه الأخرى بوجه دون وجه ، فكلّ منهما طالبة حين كون الأخرى مطلوبةً بوجه من الطلب ، فمن طلب الآخرة وسعى في تحصيلها ، فله الآخرة لا محالة لقوله تعالى :
« وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً »
« 3 » ، ومع ذلك طلبته الدنيا ليستوفي رزقها ، إنّ الرزق المقدّر يصل إلى الإنسان سواء طلبه أو لا ، ومن طلب الدنيا وسعى لها سعيها الذي لا فائدة فيه ، طلبته الآخرة ليستوفي أجلها ؛ إذ الأجل أيضاً كالرزق مقدَّر مكتوب ، فيأتيه الموت وعند ذلك تفسد دنياه ؛ لانقطاعها ، وتفسد آخرته ؛ لأنّ اكتسابها لا يمكن بعد الموت .
فثبت أنّ من طلب الآخرة كانت له الدنيا والآخرة جميعاً ، ومن طلب الدنيا زيادةً على ما هو المكتوب لم يكن له الدنيا ولا الآخرة .
فقد ظهر أنّ العقلاء إذا تيقّنوا ما ذكرنا يجب أن يزهدوا عن الدنيا ويرغبوا في الآخرة فهم السعداء في الدارين ، والفائزون بكرامتين .
هامش
( 1 ) . الذّاريات ( 51 ) : 22 .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 39 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 19 .