ثمّ قال :
« وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »
« 1 » يعني ليس المراد التولِّيَ مطلقاً ، بل شأنك الإفاضة والتعليم ، ولكن نفعه ليس إلّالطائفة مخصوصة من الناس ، وهم المؤمنون حقّاً كما أنّ الصيّاد يبسط الشبكة لاصطياد نوع خاصّ من الطيور برزق مخصوص ، وهو المقصود من بسط الشبكة في الأرض دون غيره
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
« 2 » ، وإلّا فما من رزق إلّافي القرآن قسم منه ؛ لقوله تعالى :
« وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
« 3 » .
ففيه غذاء الأرواح وقوت القلوب ، وفيه أيضاً ما ينفع العوامّ الذين بمنزلة الأنعام في الدنيا من أحكام الديات والقصاص والمناكحات والمعاملات والمواريث وغيرها ممّا ينتظم به صلاح أمر الدنيا للكلّ ، وأمر الدنيا والدين للخواصّ والكمّل ، ففيه الأغذية المعنويّة والصوريّة والمنافع الدنيويّة والاخرويّة
« مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ »
« 4 »
فإذنْ الذكرى - وهو نور القلب وحياة الروح - إنّما ينفع المؤمنين حقّاً دون غيرهم ؛ لأنّهم الذين يحيى أرواحهم بروح الذكر ، ويتنوّر قلوبهم بنور الهدى ، ويعرج به أشخاصهم إلى عالم القدس وتصعد به كلمتهم إلى سماء القربة والشهود ومجاورة الحقّ المعبود .
ولعلّ مراده عليه السلام من ذكر هذه الآية التنبيه على دلالتها على مدح اولي الألباب وحسن أحوالهم ، بيان ذلك أنّه لما دلّت الآيات المنقولة على أنّ أهل التذكّر هم خاصّةً ، وهذه الآية على أنّ الذكرى تنفع المؤمنين فيظهر من جميع هذه الآيات أنّ المؤمنين هم أولوا الألباب خاصّةً وأنّ الموصوف بالإيمان الحقيقي ليس إلّاهو ، وفيه من المدح ما لا
هامش
( 1 ) . الذّاريات ( 51 ) : 55 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 6 ؛ يس ( 10 ) : 10 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 59 .
( 4 ) . النازعات ( 79 ) : 33 ؛ عبس ( 80 ) : 32 .