وهي أنّ اللَّه جعل في هذه السورة الآية في نوح وإبراهيم عليهما السلام بالنجاة حيث قال :
« فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ »
« 1 » وقال :
« فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
« 2 » وجعل هاهنا الهلاك آيةً ، والنكتة هي أنّ الآية في إبراهيم عليه السلام كانت نجاتَه من النار ؛ لكون صيرورة النار برداً وسلاماً أمراً إلهيّاً عجيباً ، ولم يكن في ذلك الوقت إهلاك لأحد ، وأمّا في نوح عليه السلام فلأنّ الإنجاء من الطوفان - وهو ملاء الجبال بأسرها - أمر عجيب إلهيّ وما به النجاة - وهو السفينة - كان باقياً ، والفرق لم يبق لمن بعده أثر ، فجعل الباقي آية ، وأمّا هاهنا فنجاة لوط عليه السلام لم يكن بأمر يبقى أثره للحسّ ، والهلاك أثره محسوس في البلاد ، وهناك السفينة .
وهاهنا لطائف أخرى :
إحداها : وهي أنّ قدرة اللَّه تعالى موجودة في الإنجاء والإهلاك ، فذكر من كلّ باب آيةً ، وقدّم الإنجاء ؛ لأنّها أثر الرحمة على ما هو دأبه من تقديم الرحمة على الغضب .
وثانيتها : قال :
« السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً »
« 3 » ولم يقل بيّنة ؛ لأنّ الإنجاء بالسفينة ربّما يقع في وهم جاهل أنّها لا تفتقر إلى شيء آخر إلهيّ ، وأمّا الآية هاهنا - وهي الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها - فهو ليس بمعتادٍ ، فلا يدفعه من الاعتراف بأنّه من أمر اللَّه .
وثالثتها : أنّه قال هناك :
« لِلْعالَمِينَ »
« 4 » وقال هاهنا :
« لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
« 5 » ؛ لأنّ السفينة موجودة في جميع أقطار العالم ، فعند كلّ قوم مثال لسفينة نوح يتذكّرون بها حاله ، وإذا ركبوا فيها ، يطلبون من اللَّه النجاة ، ولا يثق أحد بمجرّد السفينة بل يكون دائماً مرتجفَ القلب ، متضرّعاً إلى اللَّه طلباً للنجاة . وأمّا أثر الهلاك في هذه البلاد ، ففي مواضع
هامش
( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 15 .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 24 .
( 3 ) . العنكبوت ( 29 ) : 15 .
( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 15 .
( 5 ) . العنكبوت ( 29 ) : 35 .