الحاجة إلى المؤثر والمدبر ، وتقرير هذا الطريق ان نقول : ان كان تعالى غنيا عن المؤثر فلا شبيه له في نفى الحاجة « 1 » إليه ، لكن المقدم حق فالتالي مثله .
أقول : فيه ما لا يخفى من القصور بوجهين : أحدهما ان المطلوب في تنزيه الحق تعالى عن الشبه هو نفى الشبه عنه على الاطلاق لا نفى وجه من وجوه الشبه فقط كالحاجة . وثانيهما ان نفى الحاجة عنه تعالى مما لا يحتاج إلى اثباته له من جهة تشابه الخلق فيها ، بل مجرد كونه واجب الوجود يلزمه نفى الحاجة عنه إلى غيره لزوما بينا ، فالاستدلال عليه لغو من الكلام مستدرك ، فالأولى في شرح هذا الكلام ما ذكرناه .
ثم قال : وقيل : أراد باشتباههم اشتباههم في الجسمية والجنس والنوع والاشكال والمقادير والألوان ونحو ذلك ، وإذ ليس داخلا تحت جنس لبراءته عن التركيب المستلزم للامكان ، ولا تحت النوع لافتقاره في التخصيص بالعوارض إلى غيره ، ولا بذى مادة لاستلزامها التركيب « 2 » ، فليس بذى شبيه في شيء من الأمور المذكورة . قال « 3 » :
والأول أعم في نفى التشبيه .
أقول : أراد بالأعمية في الوجه الأول أعمية دليله الّذي هو وجود الحاجة في المخلوقات كلها بخلاف الوجه الثاني ، إذ ربما يوجد موجود من المخلوقات لا شبيه له في نوعه ولا في جنسه لبساطته ولا في الاشكال والمقادير والألوان وغيره ، وهذا الوجه وان كان أخص دليلا من الوجه الأول لكنه أعم فائدة ، وهو نفى الشبه عنه من وجوه أخرى أيضا ، والعبرة بعموم المطلوب وشموله لاقسامه أولى من العبرة بعمومية مادة الدليل ، فالوجه الثاني أولى .
واما الوجه الّذي ذكرناه فالدليل والمطلوب كلاهما عامان ، لان دليلنا كون المخلوق ذا ماهية محتملة للاشباه والمطلوب الحاصل منه نفى الشبه عنه تعالى من جميع الوجوه والحيثيات .
قوله : المستشهد بآياته على قدرته ، أراد بآياته الآيات الآفاقية : كخلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، والانفسية : كخلق
هامش
( 1 ) . في الحاجة « المصدر »
( 2 ) . التركيب أيضا « المصدر »
( 3 ) . اى : ابن ميثم .