عرفناهم سبيل الهدى ودين الحق وطريق المعرفة فاستحبوا العمى القلبي والجهل الأبدي لحب الدنيا وشهواتها ورئاساتها التي تعمى القلب وتميت النفس وتحجب عن الهدى وقصد السبيل إلى المولى .
فان قلت : إذا وقعت الهداية حصل الهدى وهو نور البصيرة وضياء القلب المعبّر به عن كمال المعرفة ، وذلك غاية السعي وفائدة العمل وأصل السعادة الحقيقية ، فيكف يتصور معه العمى والضّلال وهو ضد الهدى والكمال ؟
قلت : قد سبقت الإشارة إلى أن مبدأ السلوك بالعلم ومنتهاه أيضا العلم ، الا ترى ان اكتساب كل علم وطلب كل معرفة انما هو فعل اختياري وكل فعل اختياري يكون لأجل غاية لا بد ان يتصور أولا حتى يمكن طلبه ؟ فإذا كان المطلوب نفس العلم فلا بدّ أن يتصور أولا ذلك حتى يمكن طلبه واكتسابه ولا يلزم « 1 » طلب المجهول المطلق ، ولكن بوجه غير الوجه التي حصل حتى لا يلزم تحصيل الحاصل .
فقوله : فهديناهم ، اى عرفناهم الهدى بوجه من الوجوه وعلى قدر يتوقف عليه الشوق إلى تحصيله على وجه الكمال ، لكنهم استحبوا العمى على حصول الهدى بالحقيقة الّذي عرفوه بوجه من الوجوه ، وكذلك الكلام في الرّواية الأخيرة ، اى بينا لهم الهدى بوجه يمكن به القصد إلى تحصيل حقيقته .
الحديث الرابع وهو الخامس عشر واربع مائة
« علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن ابن بكير عن حمزة بن محمد عن أبي عبد الله ( ع ) قال سألته عن قول الله
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 2 » قال نجد الخير ونجد الشر » .
هامش
( 1 ) . والا لا يلزم - النسخة البدل
( 2 ) . البلد / 10